الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الحدود الجيوسياسية الجديدة.. تأمين مسارات تحول الطاقة

15 مايو 2026 14:50 مساء | آخر تحديث: 15 مايو 14:54 2026
دقائق القراءة - 5
شارك
share
يشهد الاقتصاد العالمي تحولاً هيكلياً وضع المعادن والفلزات الحيوية في صميم الأمن القومي والسياسات الصناعية والدبلوماسية الدولية. ومع تسارع وتيرة الانتقال من نظم طاقة قائمة على الوقود إلى نظم تعتمد بشكل مكثف على المعادن، يسلّط تقرير وكالة الطاقة الدولية (IEA) "آفاق المعادن الحيوية العالمية 2025" الضوء بوضوح على واقع جانب العرض، مشيراً إلى أنه رغم الطفرة في حجم الاستثمارات، تتفاقم نقاط الضعف في سلاسل الإمداد وقيود المعالجة والمخاطر الجيوسياسية. ولم يعد الحديث اليوم يدور حول التجارة بمفهومها التقليدي، بل حول المواد التي باتت السيادة الاقتصادية والمرونة الصناعية والأمن القومي تعتمد عليها.
ولفهم حجم هذا التحدي، لا بد من النظر إلى النقاط المشتركة بين أحدث قوائم المواد الخام الحيوية الصادرة عن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، والتي تشكل مجتمعة الأساس الذي تقوم عليه الصناعة الحديثة. وبينما يُستخرج الليثيوم بشكل رئيسي في أستراليا، والكوبالت في جمهورية الكونغو الديمقراطية، والنيكل في إندونيسيا، فإن جميعها تُعد موارد ذات أهمية عالمية؛ إذ تدخل في صناعة المغناطيسات الدائمة والإلكترونيات والأنظمة الدفاعية والتصنيع المتقدم.
وتوسعت هذه القائمة أيضاً لتشمل مواد كانت تُعد في السابق وفيرة، لكنها باتت تُصنّف اليوم على أنها تحديات استراتيجية. فقد أصبحت الفضة، في ظل تعدد استخداماتها، عنصراً لا غنى عنه في مسار التحول نحو الطاقة الشمسية؛ كما يُعد الألومنيوم مادة أساسية في خفض وزن وسائل النقل وتوسيع شبكات الكهرباء؛ أما البوتاس، وهو أساس إمدادات الأسمدة عالمياً، فقد أصبح مرتبطاً بالأمن الغذائي، وبالتالي بالاستقرار الجيوسياسي. ونتيجة لذلك، فإن التركز الجغرافي لعمليات الاستخراج لا يمثل سوى التحدي الأول.
وأظهر التحديث الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، في إبريل/نيسان 2026، لسجل قيود التصدير على المواد الخام الحيوية ارتفاعاً قياسياً غير مسبوق في هذه التدابير، حيث باتت تؤثر في نحو 16% من التجارة العالمية في هذه السلع. كما أن هيمنة الصين على عدد من سلاسل إمداد المعادن الحيوية قد تحولت بالفعل إلى نفوذ استراتيجي؛ إذ أصبح نظام ضوابط التصدير الذي تعتمده، والذي جرى تغليظه تدريجياً خلال عام 2025، يشمل العناصر الأرضية النادرة، بما في ذلك الغاليوم والجرمانيوم والغرافيت، إضافة إلى التقنيات المرتبطة بمعالجتها.
كما ينص أحد بنود الترخيص على إخضاع أي منتج يحتوي على 0.1% أو أكثر من العناصر الأرضية النادرة ذات المنشأ الصيني للرقابة، بغض النظر عن مكان تصنيع المنتج النهائي. ومن المقرر أن يبدأ التطبيق الكامل لهذا البعد خارج الإقليمي في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، على الرغم من تعليق بعض التدابير لمدة عام عقب الإعلان الأولي. وتأتي هذه التطورات برسالة واضحة مفادها بأن الوصول إلى المعادن وتقنيات المعالجة والمواد المتقدمة بات يُستخدم كأداة جيوسياسية.
وهذا يفسر تجدد الاهتمام الاستراتيجي بالمناطق الحدودية الغنية بالموارد في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا الوسطى. فما كان يُنظر إليه سابقاً باعتباره مسألة محدودة تقتصر على تطوير الموارد، أصبح اليوم منافسة أوسع نطاقاً على البقاء الصناعي. ولم تعد الدول تتساءل فقط عن أماكن استخراج المعادن، بل عمن يملك القدرة على التحكم بها ومعالجتها وتمويلها واعتمادها، ومن يمكنه ضمان الوصول إليها في حال تدهور الظروف الجيوسياسية.
ومع ذلك، فإن أبرز التحديات وأكثرها أهمية هو الأقل حظاً من حيث الاهتمام الهيكلي، وهو القدرة على التكرير والمعالجة، حيث يتجلى التفاوت بين الشرق والغرب في هذا المجال بأوضح صوره. وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن الصين تُعد المُكرر الرئيسي لتسعة عشر معدناً من أصل عشرين معدناً حيوياً تقوم بتحليلها، بمتوسط حصة سوقية يقارب 70%.
وفيما يتعلق بالعناصر الأرضية النادرة، تستحوذ الصين على نحو 91% من قدرات الفصل والتكرير. أما في مجال المغناطيسات الدائمة الملبدة، فقد ارتفعت حصتها من نحو نصف الإنتاج العالمي قبل عقدين إلى حوالي 94% اليوم. وحتى عند استخراج المعادن في إفريقيا أو أمريكا الجنوبية، فإنها في الغالب تُنقل إلى منشآت صينية قبل أن تصبح مدخلات صناعية قابلة للاستخدام. وبدون توسع منسق في قدرات التكرير وإعادة التدوير والمعالجة البديلة، ستظل أهداف تحول الطاقة في الدول الغربية عرضة لنقطة ضعف مركزية بدأت تداعياتها تظهر بالفعل.
في ديسمبر/كانون الأول 2025، قامت حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية بتعليق عمل مراكز معالجة النحاس والكوبالت الحرفية في إطار حملة لتعزيز الامتثال وضبط التتبع. ويعتمد ما يُقدر بنحو عشرة ملايين شخص على قطاع التعدين الحرفي في سبل عيشهم، وقد أظهر هذا التعليق مدى الترابط بين إخفاقات الحوكمة وقيود المعالجة ورفاه المجتمع.
كما كشف التدقيق الموازي الذي أجرته جمهورية الكونغو الديمقراطية على مشاريع التعدين المشتركة عن عائدات غير مُبلغ عنها، تقدر بنحو 16.8 مليار دولار بين عامي 2018 و2023، وهو رقم يؤكد أوجه قصور الحوكمة المتجذرة في البنية الحالية، وعلى الرغم من أن استجابة الدول الغربية كانت واسعة، فقد ظلت في معظمها تفاعلية بشكل كبير.
وتعكس "اتفاقيات واشنطن"، التي تم توقيعها في ديسمبر 2025 بين الولايات المتحدة وجمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، إلى جانب الاجتماع الوزاري الأول للمعادن الحيوية، الذي عُقد في الولايات المتحدة في فبراير 2026، وحضرته وفود من 54 دولة، إضافة إلى المفوضية الأوروبية، مدى تحول قضية المعادن الحيوية وصعودها إلى مركز الدبلوماسية الاقتصادية.
ويمثل مشروع "فولت" (Project Vault)، وهو احتياطي استراتيجي أمريكي للمعادن الحيوية مدعوم بتمويل يصل إلى 10 مليارات دولار من بنك التصدير والاستيراد، إلى جانب مساهمات القطاع الخاص، أكبر استجابة ممولة حتى الآن بين القطاعين العام والخاص. وعلى الرغم من أهمية هذه الخطوات، فإن إعلانات التمويل والأطر الثنائية لا تشكل في حد ذاتها بنية تحتية تجارية محايدة قائمة على القواعد، وهي ما تتطلبه حركة المعادن الحيوية بصورة مسؤولة.
وقد أضافت الطفرة الحالية في الذكاء الاصطناعي وبناء مراكز البيانات بعداً إضافياً في مجال الطلب؛ إذ يتطلب كل ميغاواط من سعة مراكز البيانات ما يُقدر بنحو 60 إلى 75 طناً من النحاس، وذلك لتغطية احتياجات توزيع الطاقة وبنية التبريد الأساسية فقط، في وقت يتسارع فيه الاستثمار في شبكات الكهرباء عالمياً لدعم هذه المرافق.
لقد أصبحت أنماط الطلب على المعادن في الاقتصاد الرقمي مرتبطة بشكل وثيق بأنماط الطلب في اقتصاد الطاقة، وكلاهما يتنافس على نفس الكميات المحدودة من الإنتاج المكرر.
وفي عالم تتوقع فيه وكالة الطاقة الدولية نقصاً في إمدادات النحاس والليثيوم خلال العقد الحالي، وترصد فيه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تصاعداً في قيود التصدير، وتحل فيه دبلوماسية الموارد الثنائية محل أطر الحوكمة متعددة الأطراف، لم يعد الوضع الراهن قابلاً للاستمرار. لقد أصبح أمن الإمدادات مرادفاً للسيادة الاقتصادية، ولهذا تبرز أهمية المراكز التجارية المحايدة.
تحتاج سلاسل توريد المعادن الحيوية إلى بيئات تنظيمية موثوقة قادرة على الربط بين المنتجين والتجار وجهات التكرير والممولين ومزودي الخدمات اللوجستية وهيئات الاعتماد والمستخدمين النهائيين ضمن منظومة شفافة ومنظمة بشكل جيد. وفي نهاية المطاف، لن يُحسم مسار تحول الطاقة لصالح الجهات التي تسيطر على الموارد في باطن الأرض فحسب، بل لصالح من يملك القدرة على نقلها بشفافية ومعالجتها بكفاءة وربطها بالصناعات الأكثر احتياجاً إليها.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة