تأسيساً على تجارب وشواهد متواصلة ومثمرة، يمكن القول إنه ما من دولة في العالم تؤمن، مثلما تفعل الإمارات، بحتمية التواصل الزمني وعدم انقطاع المراحل، بحيث يبقى الماضي، بوجوهه المضيئة، دروساً متدفقة في الحاضر وملهمة للمستقبل.
تعرف الإمارات قبل أي أحد أن الانشداد إلى الجذور حصانة لأي تجربة لا توقفها في محلها مكتفية بما كان، وإنما تمنحها زاداً متجدداً لمواصلة البناء والذهاب المبكر إلى المستقبل باستثمار لكل مستجداته، لكن بغير تخلٍّ عما سبقه ولا التنكر لكل منجز إنساني سابق.
هذا الاتساق الإنساني هو أول ما يستهدفه التطرف في أي مكان، فأول ما يريد محوه آثار من سبقوا، والربط المقصود بين كثير من المنجزات الحضارية والخروج من دائرة الإيمان. التطرف يريد نفوساً خاوية شاكةً في ماضيها وثوابتها، ليسهل عليه حشوها بأفكاره الكارهة للحياة وقيادتها إلى حيث يريد.
لم يكن غريباً أن تكون الإمارات مبكراً في طليعة الدول التي انتبهت لتعمّد تشويه المعالم الحضارية، بتنوع انتماءاتها العقدية، حول العالم، وتصدت لذلك ضمن مواجهتها الشجاعة مع الأفكار المتطرفة. وبقدر حرصها على صون البشر أولاً في المناطق المبتلاة بالإرهاب أو العنف السياسي، قادت الإمارات جهوداً عالمياً لحماية المنجزات الحضارية، وترميم ما طالته المدافع أو الأفكار المتطرفة، كأنها ترى في تذكير الإنسان بعظمة ماضيه والشواهد على ذلك، دعوة له إلى أن يستعيد بشريته القادرة على صنع كل شيء، وأن يترك في حاضره، ثم مستقبل أبنائه، ما يربطه بجوهر الاستخلاف في الأرض وعمارتها وديمومة أثره النافع للنفس والآخرين.
وسط كل أنواع الدعم الذي تقدمه لحاضر سوريا ومستقبلها، ها هي الإمارات تقف عند أبرز علامات تاريخها: الجامع الأموي في دمشق، لتزيد إيمان الشقيق السوري بأن الانطلاق السياسي والاقتصادي لا ينفصل عن الإيمان بعظمة الماضي والقدرة على تكراره بصور تناسب المستقبل واستدعاء ما يفيد منه لمواصلة البناء.
التاريخ، في قراءته الإماراتية، وهكذا يجب أن يكون دوماً، مخزون للدروس وأدوات لاستنهاض الهمم واستئناف الدور الذي يضيف إلى البناء الحضاري الحديث. وحماية مفردات هذا التاريخ ومسح علامات التطرف عن وجهه جهدان لازمان في المعركة مع التطرف ومحاولات استبقاء المنطقة أو العالم في مساحات اختلاف مفتعلة يسكنها أمراء الحرب والإرهاب ويقتاتون فيها على دماء الناس، خاصة حين يجرونهم إلى مناطق تحزب عقدي يفتت عقولهم وأجسادهم وأوطانهم.
يذكر العراق والعالم للإمارات جهدها في «إحياء روح الموصل» وتمويلها مشروع إعادة الجامع النوري الكبير ومئذنته الحدباء إلى ما كان عليه قبل هجمات تنظيم «داعش» الإرهابي.
ومن أبوظبي، انطلق التحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع (ألف) بقيادة إماراتية فرنسية، وجذب دولاً وشخصيات ومؤسسات وازنة في العالم يجمعها الإيمان بقيمة الأثر الإنساني وضرورة حمايته من الضرر في مناطق الصراعات، وبعد أن تهدأ، وفي ذلك، مرة أخرى، تذكير للإنسان بإنسانيته.
