الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

تحدي الانتقاد

15 مايو 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 15 مايو 00:01 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
قد يكون من أصعب اللحظات التي قد يمر بها الإنسان أن يُنتقد أمام الآخرين. الانتقاد بحد ذاته مزعج، هذه طبيعة بشرية بلا شك، لكن حين يحدث في مكان عام وأمام عدد من الناس، يصبح اختباراً من نوع مختلف، ليس فقط للقدرة على تقبل الملاحظة، بل للقدرة على ضبط النفس في لحظة يكون فيها الإنسان أكثر عرضة لرد فعل قد يندم عليه لاحقاً.
ما يحدث عادة في هذه اللحظة أن مشاعر متعددة تتزاحم في وقت واحد: شعور بالحرج لأن الموقف علني، وشعور بالغضب من طريقة الانتقاد أو توقيته، وشعور بالحاجة إلى الدفاع عن النفس فوراً. هذه المشاعر طبيعية ومفهومة، لكن التصرف الذي يأتي تحت تأثيرها مباشرة قد يسبب ردة فعل انفعالية يندم عليها الشخص بالعادة، الرد الانفعالي في مكان عام لا يصلح الموقف، بل يجعله جزءاً من ذاكرة من حضروا، ويحول الانتقاد من ملاحظة ربما تنسى إلى مشهد يبقى في أذهانهم.
أنضج رد فعل في هذه اللحظات هو الهدوء، الاستماع دون مقاطعة، ثم الرد بهدوء بجملة قصيرة، إما بقبول الملاحظة إن كانت في مكانها، أو بالتوضيح بهدوء إن كانت تحتاج إلى توضيح. هذه الاستجابة البسيطة تنزع من الموقف توتره وتعيد الإنسان إلى موقع المتحكم. والذي يلاحظه الحاضرون ليس مضمون الانتقاد بقدر ما يلاحظون كيف تعامل معه. وهذا الانطباع يبقى أحياناً أهم من الانتقاد نفسه.
من يعرف هذه الحقيقة يدرك أن الانتقاد العام فرصة وليس تهديداً فقط، فرصة لأن يُظهر أمام من حوله أنه إنسان يستطيع أن يستوعب الملاحظات دون أن يتزعزع، وأنه واثق بنفسه إلى درجة تجعله لا يحتاج إلى أن يدافع عنها بصوت عالٍ. هذه الصورة لا تبنى بالكلام عنها، بل تبنى بمواقف يختبر فيها الإنسان نفسه، والانتقاد العام واحد من أهم هذه المواقف.
ما يساعد على تجاوز هذه اللحظات هو فصل الذات عن العمل. الانتقاد في العمل على الغالب يكون على العمل، وليس لك كشخص. من يفهم هذا الفرق يستقبل الملاحظة كمعلومة قد تفيده، لا كهجوم على شخصه. أما من يخلط بين الاثنين، فإنه يأخذ كل ملاحظة كأنها تشكيك في قيمته، ويعيش حياة متعبة لأن الانتقاد لا يتوقف، والقدرة على فصله عن الذات هي وحدها ما يجعله محتملاً.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة