الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

معركة التضخم ليست مسألة أسعار

17 مايو 2026 21:27 مساء | آخر تحديث: 17 مايو 21:28 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
كان التضخم، في الماضي، مشكلة تقنية إلى حدّ كبير، حيث كان محافظو البنوك المركزية يضبطون أسعار الفائدة، ويتجادل الاقتصاديون حول فجوات الإنتاج، ويقلق وزراء المالية بشأن العجز. أما اليوم، فقد أصبح التضخم مسألة سياسية بامتياز، اختباراً لمصداقية الحكومات، وللعقود الاجتماعية، بل وحتى للاستقرار الجيوسياسي.
وعلى مدى ما يقرب من ثلاثة عقود قبل عام 2020، كان التضخم خامداً إلى حدّ كبير. فقد حافظت العولمة، والكفاءة التكنولوجية، ووفرة اليد العاملة، على استقرار الأسعار. وكانت البنوك المركزية، في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، تخشى الانكماش أكثر من التضخم. ثم جاءت سلسلة من الصدمات: جائحة كوفيد-19، وتعطل سلاسل الإمداد، وحزم التحفيز المالي الضخمة، والصراعات الجيوسياسية التي مزقت أسواق الطاقة والغذاء، فعاد التضخم لا كطفرة مؤقتة، بل كقوة هيكلية.
يفهم من ذلك أن التضخم لم يعد ناتجاً عن عامل واحد. بل أصبح نتيجة لضغوط متداخلة. فقد أصبحت سلاسل الإمداد أكثر هشاشة مع تفضيل الدول الأمن على الكفاءة. وأصبحت أسواق الطاقة أكثر تقلباً بسبب التوترات الجيوسياسية، والتحول إلى مصادر الطاقة المتجدّدة. كما تشهد أسواق العمل في العديد من الدول تشدداً نتيجة شيخوخة السكان، وتراجع الهجرة. كل واحد من هذه العوامل يمكن احتواؤه بمفرده، لكن اجتماعها يولد ضغطاً مستمراً على الأسعار.
وقد لعبت الطاقة دوراً حاسماً بشكل خاص، حيث عاد الوقود إلى موقعه كسلعة استراتيجية. وعندما ترتفع أسعار الطاقة، ترتفع تكاليف النقل، ثم ترتفع أسعار الغذاء بعد ذلك، بوقت قصير. والنتيجة هي تأثير متسلسل يصل إلى كل أسرة. فالتضخم، بهذا المعنى، ليس مجرّد ظاهرة اقتصادية؛ بل ظاهرة جيوسياسية أيضاً.
كما كان تضخم الغذاء عاملاً مزعزعاً للاستقرار بالقدر نفسه. فالتغيّر المناخي، والظواهر الجوية المتطرفة، وتعطّل أسواق الحبوب العالمية جعلت إمدادات الغذاء أقل قابلية للتنبؤ. وفي العديد من الدول النامية، يشكل الغذاء نسبة كبيرة من إنفاق الأسر، لذلك فإن حتى الزيادات المتواضعة في الأسعار يمكن أن تثير اضطرابات اجتماعية.
وقد استجابت البنوك المركزية برفع أسعار الفائدة بقوة، في محاولة لإعادة التضخم إلى دائرة السيطرة. فارتفاع تكاليف الاقتراض يمكن أن يقلل الطلب، ويبطئ الإنفاق، ويثبت الأسعار في نهاية المطاف. لكن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر. فالزيادات السريعة في أسعار الفائدة قد تخنق الاستثمار، وتضعف أسواق الإسكان، وتدفع الحكومات المثقلة بالديون إلى ضغوط مالية. وبعبارة أخرى، فإن علاج التضخم قد يخلق مرضه الاقتصادي الخاص.
ومن الأبعاد الناشئة الأخرى للتضخم مسألة عدم المساواة. فارتفاع الأسعار لا يؤثر في جميع الأسر بالتساوي. فالأسر الأكثر ثراء تمتلك عادة مدخرات وأصولاً ومصادر دخل متنوعة، يمكنها امتصاص ارتفاع التكاليف. أما الأسر ذات الدخل المنخفض فتنفق حصة أكبر من دخلها على الأساسيات، مثل الغذاء والسكن والنقل. وعندما يرتفع التضخم، تشعر هذه الأسر بالأثر فوراً، وبشكل غير متناسب.
ولهذا التفاوت عواقب سياسية. فالناخبون يميلون إلى تحميل الحكومات مسؤولية ارتفاع الأسعار، أكثر من تحميلها مسؤولية تباطؤ النمو. فالتضخم يقوض الثقة بالمؤسسات لأنه ملموس في الحياة اليوميةـ في متجر البقالة، ومحطة الوقود، وقيمة الإيجار.
كما أن التكنولوجيا تغيّر مشهد التضخم. فالذكاء الاصطناعي والأتمتة والمنصات الرقمية لديها القدرة على خفض التكاليف وزيادة الإنتاجية. لكنها تتطلب أيضاً استثمارات ضخمة في البنية التحتية والطاقة، ما قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع على المدى القصير. علاوة على ذلك، يمكن للاضطراب التكنولوجي أن يزيح العمال من وظائفهم، ما يخلق ضغوطاً على الأجور في بعض القطاعات وبطالة في قطاعات أخرى. ويبقى الأثر الصافي على التضخم غير مؤكد.
وبالنظر إلى المستقبل، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس العودة إلى التضخم المنخفض للغاية الذي ساد في عقد 2010، بل الدخول في فترة من التضخم المعتدل والمستمر. وقد تستهدف الحكومات والبنوك المركزية الاستقرار عند مستوى يتراوح بين 3 و4 في المئة، بدلاً من الهدف التقليدي البالغ 2 في المائة. ويعكس هذا التحول إدراكاً بأن الاقتصاد العالمي أصبح أكثر تعقيداً، وأقل قابلية للتنبؤ.
وبالنسبة إلى صناع السياسات، فإن الدرس واضح: إدارة التضخم الآن تتطلب تنسيقاً عبر مجالات متعددة. فالسياسة النقدية وحدها لا تستطيع حل اختناقات سلاسل الإمداد، أو نقص الطاقة، أو الاضطرابات المرتبطة بالمناخ. ويتعين على الحكومات الاستثمار في بنية تحتية أكثر مرونة، وتنويع مصادر الطاقة، وتعزيز القدرات الإنتاجية المحلية. وقد لا تخفض هذه الإجراءات الأسعار فوراً، لكنها يمكن أن تمنع الصدمات المستقبلية.
أما بالنسبة إلى الشركات، فإن التضخم يفرض التكيّف. إذ يتعين عليها إعادة التفكير في استراتيجيات التسعير، وشبكات التوريد، وتخطيط القوى العاملة. وفي بيئة تضخمية، تصبح المرونة ميزة تنافسية. 
في نهاية المطاف، التضخم ليس مجرّد مسألة اقتصادية؛ بل مسألة ثقة. 
* سياسي اشتراكي فرنسي وخبير اقتصادي، المصدر: ريال كلير ويرلد

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة