الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الفشل الإداري أداة لبناء الذكاء التنظيمي

17 مايو 2026 21:28 مساء | آخر تحديث: 17 مايو 21:29 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
تفترض النماذج الإدارية التقليدية، في الأغلب، مساراً خطياً ومثالياً للنجاح، وتتجاهل طبيعة الأعمال المعقدة. حيث إن السعي المستمر نحو بيئة عمل خالية من الأخطاء يخلق وهماً يعيق الإبداع، كما يؤدي الخوف من الفشل إلى تشكيل جدار يمنع إطلاق المبادرات وتجربة أفكار جديدة. يمكن أن أن نستعين هنا بفلسفة يابانية تسمّى «وابي سابي»، والتي تركّز على تقبّل النقص وإيجاد الجمال في العيوب، ويتجلى تطبيقها العملي في فن يدعى كينتسوغي، وهو فن ياباني عريق يعتمد على إصلاح الفخار المكسور باستخدام طلاء خاص ممزوج بمسحوق الذهب، أو الفضة، والذي يحوّل الكسر من عيب يجب إخفاؤه إلى جزء من تاريخ القطعة يزيدها جمالاً وقيمة. أعتقد أن هذا الفن يمثل مدخلاً مناسباً لإعادة تعريف الريادة المؤسسية؛ فالتميز لا يعني غياب المشكلات إطلاقاً، بل يمثل القدرة على التعافي منها، وإبراز قوة الإصلاح وتوثيقه، لتصبح العيوب جزءاً أصيلاً من تاريخ المؤسسة.
ومن جانب المرونة، يتطلب بناء مؤسسة مرنة انتقالاً جذرياً من ثقافة إخفاء الأخطاء خوفاً من المساءلة، وتجنباً لثقافة اللوم، إلى تبني شفافية مؤسسية كاملة في طرح المشكلات. فبدلاً من إخفاء المشاريع المتعثرة، أو تبريرها بسطحية، تعمل المنظمات الناضجة على دراسة إخفاقاتها بعمق من خلال عقد جلسات مراجعة موضوعية، تُركز على فهم ماذا حدث، ولماذا حدث، بدلاً من البحث عن المخطئ. ولضمان موضوعية هذا النهج، يجب على القيادات التمييز بوضوح بين الفشل المقبول الناتج عن محاولات الابتكار المخلصة، وبين الفشل الناتج عن الإهمال التشغيلي.
تمثل هنا الدروس المستفادة، وتحديثات الحوكمة، وتطوير أدوات الإدارة، وتحسين إجراءات تقييم المخاطر، مواد شبيهة بالذهب والفضة التي تلحم تصدّعات المؤسسة وتصلحها تماماً. إن عملية الإصلاح هذه لا تعيد المنظومة إلى حالتها السابقة فحسب، بل تمنحها مناعة مؤسسية جديدة؛ فهذا النهج يبني مرونة استراتيجية عالية تجعل المنظمة أكثر نضجاً، بعد اجتياز الأزمات مقارنة بوضعها السابق. ويتحول عندها الفشل من عقبة محبطة إلى أصل استراتيجي يدعم النمو المستقبلي.
إن هذا الفن الياباني القائم على إظهار الشروخ والتباين، يحفّز التفرقة بين جيلين من أنظمة الجودة المؤسسية، فغالباً ما تروّج برامج الجودة التقليدية لبيئات عمل خالية تماماً من الشوائب، وتفترض سير العمليات بانتظام تام، ما يخلق فجوة واضحة وعميقة مع التطبيق الفعلي المملوء بالمتغيرات والتحديات المفاجئة.
يتبنى المنظور الحديث للتميز المؤسسي مقاربة أكثر واقعية وشمولية، حيث يعتبر التميز رحلة مستمرة من التكيّف وحلّ المشكلات، بدلاً من كونه محطة نهائية من الكمال الذي لا يمكن تحقيقه عملياً. ويتطلب هذا التحول الاستراتيجي توظيف أدوات إدارية تتسم بالمرونة الفائقة، قادرة على التعامل مع العيوب التشغيلية والتفاوت في الأداء باعتبارها جزءاً طبيعياً وحتمياً من دورة العمل المعقدة. إن استيعاب هذه التحديات، بدلاً من إنكارها، يتيح للقيادات بناء استراتيجيات بديلة وتطوير آليات استجابة سريعة، لضمان استمرارية الأداء بكفاءة، ودمج المعايير الصارمة للجودة مع مرونة التطبيق الميداني.
ولكن ماذا عن التوثيق؟ يُعد توثيق مسيرات الفشل والتعافي الإداري جزءاً أصيلاً، ومكوناً أساسياً من المعرفة التنظيمية للمؤسسة. ومن خلال توظيف تجارب التغلب على التحديات داخلياً، تعزز المؤسسة ثقة الفرق العاملة، وتبني بيئة عمل آمنة نفسياً. هذه البيئة تدعم الابتكار، وتشجع الموظفين دائماً على تقديم أفكار جديدة من دون القلق من العواقب العقابية للخطأ غير المتعمد، ما يسهم في بناء ذكاء تنظيمي فريد.
في نهاية المطاف، لا يقاس نجاح المؤسسات بخلو مسيرتها من العثرات، بل بقدرتها على تحويل تلك العثرات إلى نقاط قوة. إن تبنّي فلسفة كينتسوغي في الإدارة هو تجاوز لوهم الكمال، وكذلك إعلان عن نضج مؤسسي يرى في كل كسر فرصة استراتيجية للتجديد. وعندما يمتلك القادة الشجاعة لملء تصدّعات مؤسساتهم بذهب الحكمة والشفافية، فإنهم يصنعون كياناً أكثر صلابة وقدرة على المنافسة.
*خبير إداري
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة