مع اقتراب الذكرى 250 لاستقلال الولايات المتحدة عن التاج البريطاني، أَسْرِد مقدمة الدستور الأمريكي، المُوقع عليه في 17 سبتمبر 1787: «نحن شعب الولايات المتحدة، من أجل تشكيل اتحاد أكثر كمالاً، وإقامة العدالة، وضمان الهدوء الداخلي، وتوفير الدفاع المشترك، وتعزيز الرفاهية العامة، وتأمين بركات الحرية لأنفسنا ولأجيالنا القادمة، نقرر ونؤسس دستوراً للولايات المتحدة الأمريكية» – هذا هو أساس الحُلم الأمريكي لبناء أمة مُتحدة حرة مستقلة آمنة مستقرة متقدمة قوية عادلة ومسرورة.
لكن، المُحامي المُحافظ الأمريكي ديفيد فرنش، كتب في صحيفة نيويورك تايمز، بعنوان: «جملة واحدة في الدستور تسبب مشاكل ضخمة لأمريكا»، يقول: في 8 نوفمبر/تشرين الثاني 1787، نشر كاتبٌ كِتاباً تحت اسمٍ مستعارٍ، يُدعى (كاتو)، أحد أكثر التحذيراتِ نبوءةً في التاريخِ الأمريكي. نظرَ (كاتو) إلى الدستورِ الأمريكي، مُعلناً أنه قد يتحوّل إلى أداةٍ للاستبداد. لم يَرَ دستوراً يُحصي الحقوق ويُقيّد سلطة الرئيس بشكل صارم، بل رأى دستوراً يمنح الرئيس سلطاتٍ واسعة لدرجة أنه «إذا كان الرئيس طموحاً، فلديه من القوة والوقت ما يكفي لتدمير بلاده». الجملة الأولى من المادة الثانية هي المُشكلة: «تُناط السلطة التنفيذية برئيس الولايات المتحدة». ما هي «السلطة التنفيذية»؟ وما هي حدودها؟ لا تُحدد المادة الدستورية ذلك. يقتبس فرنش عن جاك غولد سميث، أستاذ القانون بجامعة هارفارد قوله: هذه الجملة تعني أن «الحرص على تنفيذ القوانين بأمانة» يُعطي الرئيس سُلطة تحديد القوانين التي يجب تطبيقها. وفي حالة الرئيس دونالد ترامب فإنه قد حوّل الكونغرس إلى لجنة استشارية، يُسنّ القانون، لكنّه يُقرّر القوانين التي يجب تطبيقها. يقترح فرنش حلاً للمشكلة، بتغيير، صياغة الجملة الدستورية، فبدلاً من أن تنص على أن «السلطة التنفيذية تُسند إلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية»، ينبغي أن تنص على أن «رئيس الولايات المتحدة الأمريكية يُنَفِذ القوانين التي يُقرها الكونغرس». بذلك، لن تكون صلاحيات الرئيس أو السلطة التنفيذية مُطْلقة.
الدكتور سانفورد ليفنسون، أستاذ القانون بجامعة تكساس، يقول، بأن دستور الولايات المتحدة هو السبب الجذري لمصاعب الولايات المتحدة، فهو غير ديمقراطي وغير فعال وفاقم الاستقطاب السياسي. السلطة التنفيذية غدت قوةً فوق المُساءلة وأقرب إلى الديكتاتورية الرئاسية، وهذه معضلات خطرة، تتطلب تعديلات دستورية. يقول ليفنسون: إذا لم نتحرك سريعاً، فقد تنهار البلاد. ويقول الدكتور جاك إم بالكن، أستاذ القانون في جامعة تكساس، هناك أزمة دستورية وتَعفن دستوري وانحطاط في الأعراف والممارسات التي تُحافظ على نظامنا الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة. الاستقطاب السياسي والتفاوت الاقتصادي هُما سببان وعرضان لهذا الفساد، ونظام الحُكم الأمريكي أوليغارشية (حُكم الأقليّةِ) يُسيطر عليه أثرياؤها. وناقشت حلقة النقاش في كلية القانون بجامعة هارفارد، وشارك فيها مجموعة من أساتذة القانون، في مايو/أيار 2025، إدارة وسياسات الرئيس ترامب وانتقدتها بشدة ورأتها مُهَدِدة للديمقراطية. الرئيس يعمل في ظل قيود مؤسسية شبه معدومة، واستطاع خمسة أعضاء من الديمقراطيين، فقط، في الكونغرس في أكتوبر 2025 كتابة رسالة أوضحوا فيها ضرورة الحَدّ من صلاحية الرئيس.
أَستاذا العلوم السياسية في جامعة هارفارد، ستيفن ليفيتسكي، ودانيال زيبلات) ذَكَرا، في كتابهما المُشترك: «استبداد الأقلية»، أن دستور الولايات المتحدة يحتاج بشدة إلى التحديث لأن الدستور قديمٌ جداً وأقدم دستورٍ مكتوب في العالم وكُتب في حقبة ما قبل الديمقراطية (في القرن الثامن عشر)، ولم يُعَدَّل كثيراً مقارنةً بالديمقراطيات الأخرى. المؤسسات الأمريكية العتيقة، مثل المجمع الانتخابي، حمت ومكّنت الحزب الجمهوري (المتطرف) بشكل متزايد. وذَكَر الدكتور ليفيتسكي في كتابه: «كيف تموت الديمقراطيات» أن ترامب يمثل تهديداً للمبادئ الديمقراطية الأمريكية الأساسية. وهاجم الرئيس ترامب، موظفي وزارة العدل الأمريكية باعتبارهم «ليبراليين يُقوضون سلطة الرئيس»، فاستقالت، احتجاجاً، كوادر عمل قانونية مهمة ومخضرمة من الوزارة.
الديمقراطية الغربية تقوم على قاعدة الحكومة المُقَيَدة دستورياً. لذا تُكافح حالياً، قوى تشريعية وأكاديمية أمريكية لتقييد السلطة التنفيذية دستورياً للحَدّ من خطورة تَغولها ونزعتها العسكرية وميلها لحروب لاتنتهي أبداً وكثيرة التكاليف وخاصة في الشرق الأوسط، حتى بدا دائماً وقوع السياسة الخارجية الأمريكية وسط مشكلات خطِرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
قال ألفريد دي زاياس، أستاذ القانون الدولي، في كلية جنيف للدبلوماسية، وشغل منصب خبير الأمم المتحدة المستقل المعني بالنظام الدولي بين عامي 2012 و2018 أن «الأغلبية العالمية ترفض العقلية الإمبريالية والاستعمارية الجديدة للغرب الجماعي، وتأمل في التعددية القائمة على ميثاق الأمم المتحدة». مُضيفاً: في سياق الحرب على غزة، الولايات المتحدة وأوروبا رفضتا الالتزام بالفتاوى الاستشارية لمحكمة العدل الدولية الصادرة في 9 يوليو 2004، حول «الجدار العازل»، وفي 19 يوليو/تموز 2024، حوّل «الاحتلال والمستوطنات والدعم العسكري والاقتصادي والسياسي والدبلوماسي المستمر الذي تقدمه الولايات المتحدة وأوروبا لإسرائيل فيما تمارسه من إبادة جماعية إلى كونهم خارجين عن القانون الدولي ومفلسين أخلاقياً».
