منذ الانتخابات المحلية والإقليمية في بريطانيا بنهاية الأسبوع الأول من هذا الشهر، تشهد البلاد حالة اضطراب سياسي واضح أنها ستطول. وبدأ ذلك ينعكس على الأسواق التي تعاقب الاقتصاد البريطاني بسبب عدم الاستقرار السياسي.
بدأ الأمر بدعوات من نواب حزب العمال الحاكم لزعيمه ورئيس الوزراء كير ستارمر بالاستقالة، باعتباره مسؤولاً عن الهزيمة الساحقة للحزب وصعود اليمين المتطرف ممثلاً في «حزب الإصلاح «بقيادة نايجل فاراج واليسار المتمثل في حزب الخضر بقيادة زاك بولانسكي. أما حزب المعارضة التقليدية ( المحافظون)، فقد مني بخسارة كبيرة أيضاً في تلك الانتخابات كما حدث له في انتخابات عام 2024 التي أخرجته من الحكم وجاءت بحكم العمال.
يصرّ ستارمر على البقاء في منصبه، لكن الضغط عليه يزداد خاصة مع تمهيد الطريق لعمدة مانشستر آندي برنهام لدخول البرلمان وتحدي ستارمر في انتخابات على زعامة الحزب وبالتالي رئاسة الحكومة. وبدأ رئيس الوزراء بالفعل يفقد السيطرة على حزبه إلى حد كبير، ما ينذر بتكرار ما حدث مع حزب المحافظين خلال أكثر من عقد في الحكم.
سواء بقي ستارمر في منصبه، مع معارضة كثير من نواب حزبه المنتخبين لقيادته، أو فاز برنهام أو غيره في انتخابات الحزب ليحل محله، فإن ثقة الناس في الديمقراطية كوسيلة حكم تتدهور بسرعة. فسيكون برنهام أو غيره سابع رئيس وزراء لبريطانيا في نحو عقد، أغلبهم لم ينتخبهم الشعب البريطاني وإنما انتخبهم بضعة آلاف من أعضاء حزب الأغلبية في البرلمان.
منذ عام 2010، حين استقال رئيس الوزراء المحافظ ديفيد كاميرون وانتخب الحزب تيريزا ماي لتحل محله تعاقب ستة رؤساء للحكومة عبر انتخابات حزبية وليست عامة – باستثناء فوز العمال بقيادة ستارمر قبل عامين.
استقالت ماي لينتخب حزب المحافظين بوريس جونســـون، وللأمانـــــة دعـــــا جونسون لانتخابــــات عامـــة فاز فيها حزبه بشكـل كبير ليكتسب شرعية عامة بدلاً من انتخــاب أعضــاء الحزب فقط له. ثم استقال جونسون لينتخب الحزب، وليس الشعب البريطاني، ليز تراس التي لم تمكث في السلطـــة سوى ستة أسابيع. ثم انتخب حزب المحافظين ريشي سوناك الذي خسر الانتخابات العامة الأخيرة لصالح عمال ستارمر.
ما يجري الآن هو احتمال تكرار تلك الانتخابـات الحزبية ليجد البريطانيون أنفسهم تحت حكم شخص لم ينتخبوه في تصويت عام إنما انتخبه عدد قليل من أعضاء حزبه. وهذا ما يهدد ما تبقى من ثقة متراجعة في «الديمقراطية التمثيلية» التي تعد عصب النظام في بريطانيا وفي الغرب عموماً.
المشكلة أن فقر الديمقراطية في أكثر بلدانها رسوخاً (بريطانيا)، ينذر بمشكلة أكبر وأعمق في الغرب الرأسمالي عموماً. فمنذ الجدل عام 2020 بشأن انتخابات الرئاسة الأمريكية، الذي أشعله الرئيس الحالي دونالد ترامب قبل انتخابه مجدداً قبل عام ونصف، والمخاوف تزيد بشأن صلاحية النظام الديمقراطي.
في الوقت نفسه يشهد العالم صعوداً واضحاً لقوى اليمين المتشدد، يقابله بشكل طفيف صعود يسار ضعيف، وذلك على حساب الأحزاب والقوى السياسية التقليدية. ربما في الأوضاع العادية يكون اتساع رقعة الساحة السياسية، لتشمل تيارات مختلفة وليس فقط حزبين كبيرين يتبادلان السلطة، أمراً جيداً يوفر خيارات افضل للناخبين.
إنما في ظل ما يشهده العالم من «ميوعة» وحالة عدم يقين بشأن مستقبل النظام العالمي كله ووضع الاقتصاد المتردي، في ظل مشاكل الدين العام والتضخم وأسعار الفائدة وفي الإجمال ارتفاع تكاليف المعيشة والمخاوف المستقبلية من معدلات بطالة عالية جداً، يكون التنوع الظاهري في السياسة علامة فقر أكثر منه علامة حرية اختيار.
فلا اليمين المتطرف ولا اليسار المتشدد يملك رؤية واضحة للحكم سوى الوصول إليه عبر «المسار الديمقراطي الحالي». أما إدارة الدولة فإن كلا التيارين يكتفي بالتعامل معها وكأنه «قوة معارضة» – أي خلخلة النظام كله أو حتى هدمه باعتبار المؤسسة التقليدية هي سبب التردي السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
الهدم عملية سهلة، إنما البناء هو ما يحتاج إلى الخبرة والمهارة والعزم والجلد. وهذا ما لا يتوفر في القوى الصاعدة من أقصى اليمين واليسار. وذلك هو القصد بفقر الديمقراطية وما له من تبعات على كل مناحي الحياة.
