كل ما يتعلق بالصين يستهويني، حتى أيام الحرمان والفقر، وذكرياتي مع العصافير والذباب، وأمسياتي مع زوجة على وشك الإنجاب في شقة بمبنى سكن الأجانب، أثاثها سرير في غرفة النوم، وكرسيان من الخشب الخالص والمحفور في صالة استقبال وانتظار.
ما أحلى أن تقف وراء نافذة تطلّ على ساحة وزارة حكومية خرج بعض موظفيها إلى ساحة فضاء شاسعة ليصطفوا، متباعداً الفرد عن الآخر، ولمدة نصف ساعة، والثلج الأبيض يتساقط في دِعة وبهاء، يباشرون ما يشبه التمرينات الرياضية، ولكنها ليست كذلك. سألت وعرفت، تمارين روحانية ونفسية ترقي إلى مستوى الأيديولوجيا.
كانت بكين أول مدينة صينية أراها، أو أهبط فيها، باستثناء إطلالة من شبّاك فندق على مدينة كانتون في أقصى جنوب الصين، وإقامة لأيام في هونغ كونغ المدينة الهجين قبل أن يتولى الحزب الشيوعي الصيني أمر إعادتها صينية «نقية».
عشت في بكين وقرأت عنها، ومررت بشنغهاي وقرأت عنها. عشت في بكين عندما كانت لافتة «ممنوع دخول الصينيين والكلاب» لا تزال تستقبلنا عند مداخل المساحة الشاسعة التي كانت تحتلها مباني ومدارس ونوادي الطبقة الإنجليزية ذات النفوذ الشاسع، في الصين في عهد انحدار الإمبراطورية الصينية. قرأت عن شنغهاي، الميناء الذي تحكمت فيه جميع الدول الاستعمارية، بما فيها اليابان وأمريكا وروسيا القيصرية. قرأت كيف كانوا يجمعون، سنوياً، الآلاف من جثث الأطفال الرضّع الملقاة في خزانات النفايات، ويبيعون الزوجات وبناتهن.
مرة أخرى يتدخل الاستعمار في دولة آسيوية، فيعطل مسيرة تقدمها. التاريخ الاستعماري يسجل لنا أن أمتين، هما الهندية والصينية، كان مجمل الناتج القومي لكل منهما قبل وصول الاستعمار الغربي والياباني أعلى من ناتج أيّ دولة غربية كبرى، تحطمت إمكاناتهما، بخاصة البشرية، وتعطل نهوضهما قروناً. كلتاهما على كل حال مستفزة الآن، ولدرجة قصوى للنهوض بسرعة وكفاءة لتعويض ما فقد. أشهد مع كثيرين، أننا نعيش مرحلة قد تستحق تسميتها بالقرن الآسيــوي في التاريــخ السياسـي المعاصــر، باعتباره القرن الذي يشهد سلسلة من محاولات النهوض، وتعويض ما فات وفُقد على أيدي دول غربية، يشهد أيضاً، كما هو الحال في إفريقيا والشرق الأوسط، محاولات قمعها بإثارة نعرات، قومية وطائفية، وبالوقيعة بين دول الإقليم، وتهديد سلامة النظم الحاكمة وقياداتها، حتى الاغتيالات واختطاف المسؤولين أعيدت ممارستها.
اعتمدوا في الصين على مصادر وينابيع الماركسية اللينينية، مزودة بخلاصة الفكر الفلسفي الصيني، أقصد تحديداً تدوير لحظات التوقف في مسيرة تطور الأشياء والحركات الثورية، بحيث لا تجد القوى المعادية للثورة فرصة للهجوم عليها، أو تعطيل تطورها وديمومتها.
وقعت آخر هذه التطورات بينما كانت الولايات المتحدة، الدولة الأقوى في العالم المعاصر، تستعد لمرحلة انحدار أثرت في كثير من معالم الزعامة والهيمنة، وفي كل ما حولها. كثيرة كانت علامات الانحدار، وأسبابه منها ما يلي:
- الدخل الفردي الحقيقي للمواطن يتراجع.
- انتشر الفساد وتعدّدت أساليبه خصوصاً في ظل إدارة الرئيس ترامب الراهنة.
- تابعنا وبالقلق الشديد السلوك الشخصي للرئيس، بخاصة سرعة انفعاله، وتناقض تصريحاته، وميله إلى إطلاق تهديدات عنيفة غير مدرك، أو مدرك، أن القدر من القلق والتوتر الذي تتعرض له دوائر العدو يصيب أحياناً، دوائر الرأي العام الأمريكية المتعاملة معه، وكذلك حلفاءه.
- فقد متسارع لكثير من عناصر القوة الناعمة الأمريكية.
- اندفاع الرئيس وراء إسرائيل والقوى المالية الصهيونية، والتي يتردّد أنها دفعته، على الرغم من المعارضة الشعبية، لشن الحرب.
- الوقوع أكثر من مرة في أخطاء بروتوكولية، أو تتعلق بمسائل حساسة، داخل أمريكا وخارجها، منها مثلاً التعدّي الصارخ على مكانة بابا الفاتيكان، منها أيضاً التصرفات غير المقبولة أثناء الزيارة الرسمية لملك المملكة المتحدة.
- بسبب هذا الانحدار، تضاف الآن حقيقة أن الولايات المتحدة لم تكسب حرباً واحدة شنتها منذ حملة أفغانستان، والتدخل العسكري المستمر حتى الآن ضد العراق، كذلك يحتج مناصرون لترامب على عملية اختطاف رئيس دولة فنزويلا، فضلاً عن تهديداته المتكررة ضد كندا، والمكسيك، وبنما، وغرينلاند، وكوبا، وغيرها.
