أصبح الفرد كثيرالحركة وفاقد الاتجاه، يعرف أكثر ولا يفهم شيئاً مما حوله وما يحدث، يعرف الآخرين ويحلل شخصياتهم ويرى عيوبهم وسلبياتهم ومميزاتهم الإيجابية، ويجهل نفسه وشخصيته وعيوبه ومميزاته، يقرأ كل شيء إلا نفسه، يسمع كثيراً ولا يزيد وعيه، حاضر بجسده ويغيب إنصاته وحضوره الجوهري، يقرأ جميع الكتب التي كتبها بشر عاديون مثله، ويتجاهل أفضل كتاب أُنزل من السماء من الخالق، يتصفح يومياً جهازه المتحرك، ويسافر هنا وهناك ويسمع جميع التناقضات في آن واحد، فيصبح فؤاده قلقاً مشوشاً، فالتناقض الذي في الـ«سوشيال ميديا» يجعلك تشعر بالتواصل وأنت في عزلة، بالحضور وأنت غائب عن نفسك، بالمعرفة وأنت في حقيقة الأمر تُستهلك ولا تفهم، وتُنتج رأياً بلا تأمل، وموقفاً بلا نضج، وغضباً بلا سبب حقيقي، لأن خوارزمياتها تُغذي ما يُثير لا ما يُنير.
ووسط هذه التناقضات حوله، يرى حياة العديد من الأشخاص يومياً.. نجاحاتهم وأسفارهم وسعادتهم المعروضة، وإن لم تكن حقيقية، فهذا الكم من الأخبار لم تُخلق له النفس البشرية، فيجد الإنسان نفسه في حالة مقارنة لا تنقطع، وهي دائماً ما تكون مقارنة مجحفة لأنه يرى أفضل ما عند الآخرين، وإن كان مزيفاً وللعرض وليس حقيقة، وما بين ما هو حقيقي وواقعي في حياته، يصاب بشعور غير جيد، والنجاة أو الخروج من هذا هو أن يجد الإنسان في نفسه مركزاً ثابتاً لا تُحركه الأحداث أو حياة الآخرين المزيفة، ومن وجد هذا المركز لا يوقف العالم عن تناقضاته، لكنه يملك القدرة على أن يقف في وسط العاصفة دون أن تقتلعه بتناقضاتها، لأنه يعرف نفسه وقيمه وما يريد وما لا يريد، ويعرف أهدافه بوضوح، وله ورد يومي من القرآن الكريم، كتاب نزل من خالقه الذي وضع فيه كل ما من شأنه نجاة وسعادة الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة، وله أيضاً وقت للرياضة والحركة، ليكون صحيح الجسد والنفس، فيصبح قوياً، وجذوره العميقة تجعله ثابتاً في مواجهة التناقضات في جميع أشكالها.
