منذ اكتشاف النفط في الخليج العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين، وتحديداً منذ ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، بدأت دول الخليج رحلة مختلفة تماماً عن الصورة التقليدية لمنطقة صحراوية محدودة الموارد، ففي عام 1938 اكتشف النفط بكميات تجارية في الكويت والسعودية، ثم تبعتها الإمارات وبقية دول الخليج، ليتحول هذا المورد الطبيعي إلى نقطة انطلاق تاريخية نحو بناء دول حديثة استطاعت خلال عقود أن تنتقل من اقتصاد يعتمد على البحر والتجارة البسيطة والغوص بحثاً عن اللؤلؤ، إلى اقتصادات تُصنّف اليوم بين الأكثر تأثيراً في أسواق الطاقة والمال والاستثمار عالمياً.
لكن الأهم من النفط نفسه، كانت الحكمة في كيفية الاستفادة من العائدات، كثيرة هي الدول التي امتلكت الثروات، غير أن القليل منها استطاع تحويل الثروة إلى مشروع دولة، لقد أدركت القيادات الخليجية منذ وقت مُبَكر أن النفط ليس مُجَرد مصدر دخل مؤقت، بل فرصة تاريخية لبناء الإنسان والبنية التحتية والاقتصاد الحديث. لهذا شهدت المنطقة مند الستينات والسبعينات من القرن الماضي مشاريع ضخمة في التعليم والصحة، والطرق، والموانئ، والمطارات، ثم تطورت الرؤية لاحقاً نحو بناء مراكز مالية، وصناعية، وسياحية، وتكنولوجية.
في دبي مثلاً تحولت الصحراء إلى مركز اقتصادي عالمي يستقطب الشركات والاستثمارات من مختلف القارات، وفي أبوظبي جرى توظيف الثروة النفطية في بناء صناديق سيادية تُعد من الأكبر عالمياً. أما في السعودية، فقد دخلت مرحلة تحوّل اقتصادي عبر مشاريع كثيرة، وفي قطر، جرى استثمار الغاز الطبيعي لبناء قوة اقتصادية وإعلامية واستثمارية مؤثرة عالمياً، بينما واصلت الكويت دورها المالي والاستثماري التاريخي من خلال واحد من أقدم الصناديق السيادية في العالم، كما عملت البحرين وعُمان على تطوير الخدمات والموانئ والسياحة والاقتصاد اللوجيستي.
هذه الدول لم تبنِ نفسها بالحروب، بل بالاستقرار، ولم تؤسس مكانتها العالمية عبر الجيوش والحروب، بل عبر الاقتصاد، والانفتاح، والاستثمار، والأمن. من هنا يصبح السؤال منطقياً: بعد كل هذا التاريخ من العمل والاجتهاد والتخطيط الطويل لبناء دول مُتَطورة، هل يمكن لدول جعلت اقتصادها مِحور وجودها أن تبحث عن حرب؟ هل من المعقول أن تخاطر دول بنت مدنها موانئها ومطاراتها وأسواقها المالية ومشاريعها المستقبلية العملاقة بإشعال النار فوق أرضها؟
الكل يعلم أن الاقتصاد لا يعيش مع الحرب، والاستثمار لا يأتي إلى منطقة مفتوحة على الحرائق، ورؤوس الأموال تهرب من صوت الصواريخ، لهذا فإن فلسفة دول الخليج طوال العقود الماضية قامت على فكرة أساسية: الاستقرار باعتباره الضمانة الأولى للازدهار، وحتى القواعد العسكرية الأجنبية التي وافقت على وجودها، لم تكن (وفق رؤيتها) مِنصات للبحث عن الحروب، بل جزءاً من منظومة ردع وحماية هدفها منع تهديد الاقتصاد، والممرات البحرية، وأمن الطاقة، والأسواق.
فالمنطقة التي تُصدّر جزءاً كبيراً من طاقة العالم لا يمكنها أن تتعامل مع الأمن بوصفه قضية هامشية، دول الخليج تعلم أن أي اضطراب واسع لا يهددها فقط، بل يهدد الاقتصاد العالمي بأسره، من أسعار النفط إلى سلاسل الإمداد والتجارة الدولية. لذلك، حين تعرضت لهجمات على منشآت نفطية وتهديدات للملاحة والطاقة، فإن ردود الفعل كانت تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة، رغم الخسائر.
الخيار الاستراتيجي لهذه الدول بقي دائماً: «حماية الاستقرار لا توسيع الحرب»، ومن هنا فإن تصوير دول الخليج وكأنها تسعى إلى إشعال المنطقة وتستقبل القواعد لتعتدي على إيران، يبدو طرحاً سطحياً يتجاهل طبيعة المشروع الذي بنته هذه الدول طوال عقود، الدولة التي تستثمر مئات المليارات في السياحة، والتكنولوجيا، والمدن الذكية، والطاقة النظيفة والبنية التحتية، لا يمكن أن ترى مستقبلها في الدمار، لقد كانت دول الخليج، بحكم موقعها وعلاقاتها الدولية، قادرة على لعب دور الوسيط أو الجسر الذي يمنع الانفجار الكبير ويُبقي أبواب التفاوض مفتوحة، لكن الاعتداءات التي طالت المنطقة جعلت هذا الدور أكثر صعوبة، ودفعت إلى فقدان الثقة وإضعاف فرص التهدئة، وهنا تكمن الخسارة الكبرى، إن أي تصعيد ضدها لا يضربها وحدها، بل يضر باستقرار المنطقة.
هناك حقيقة يجب أن يفهمها الإيرانيون أن هذه الدول حريصة على استقرار المنطقة كلها، لأنه يمس استقرارها، حريصة على السلام في المنطقة التي هي جزء منها.. دول كانت وما زالت لا تريد أي الحرب.
