المجالس وُجدت ليجتمع فيها الأصدقاء والأقرباء والأحبة، وليجد الإنسان فيها راحته بعد يوم طويل، مكاناً يخف فيه التعب، وتقترب فيه الأرواح بعيداً عن ضغوط الحياة، لكن شيئاً ما تغير بهدوء في السنوات الأخيرة، فبعض المجالس لم تعد تمنح الإنسان الطمأنينة نفسها، بل بات يخرج منها الواحد مثقلاً بشعور لا يستطيع تفسيره بسهولة، حتى وإن بدا كل شيء طبيعياً في ظاهره.
الغريب أن الأمر لا يرتبط دائماً بمشكلة واضحة أو صدام معلن، فلا خلاف حدث، ولا كلمة جارحة قيلت، ولا إساءة مباشرة وجهت لأحد، ومع ذلك، يغادر الإنسان أحياناً وكأن شيئاً من طاقته النفسية قد استنزف دون أن يشعر.
تبدأ الجلسة عادية في ظاهرها، ثم ينتقل الحديث بهدوء إلى من اشترى، ومن سافر، ومن كبر مشروعه، ومن تبدلت حياته، ومن يملك ما هو أكثر، فجأة تتحول الجلسة، دون إعلان، إلى مساحة مقارنة مفتوحة، يحاول فيها الجميع الظهور بأفضل صورة ممكنة، وكأن هناك جائزة غير مرئية لمن يبدو أكثر نجاحاً وسعادة من الآخرين.
ومع الوقت، يدخل الإنسان بعض هذه المجالس وهو مرتاح، ثم يخرج منها وهو يشعر بأن حياته أقل مما كانت عليه قبل ساعة واحدة فقط، يبدأ بالتشكيك في خطواته، وفي الرضا الذي كان يشعر به قبل أن تداهمه مقارنات لا تنتهي.
هذه ليست حساسية زائدة أو ضعفاً في الشخصية، بل واقع يعيشه كثير من الناس اليوم تحت ضغط ثقافة الاستعراض، فبعض الأشخاص لا يسرقون وقتك فقط، بل يسرقون طمأنينتك أيضاً، يجعلونك تعيد التفكير في نفسك، وفي إنجازاتك، وفي رزقك، وكأنك متأخر دائماً عن سباق لا تعرف متى بدأ.
ولهذا بدأ كثير من الناس ينسحبون بهدوء، ليس كرهاً للناس، ولا تعالياً على العلاقات، بل حفاظاً على سلامهم الداخلي من الضجيج المستمر الذي تفرضه المقارنات اليومية، فالنضج الحقيقي لا يعني أن يكون حول الإنسان أكبر عدد من العلاقات، بل أن يعرف جيداً مع من يشعر بالراحة بعد اللقاء؟ ومع من يحتاج الى وقت طويل حتى يعود إلى نفسه؟
وكلما نضج الإنسان من الداخل، قل انجذابه للمجالس التي تعتمد على المظاهر، وكثر بحثه عن الأماكن التي يستطيع أن يكون فيها على طبيعته، دون مبالغة أو تمثيل أو محاولة دائمة لإثبات شيء للآخرين، فأحياناً جلسة قصيرة مع شخص صادق تعيد للإنسان توازنه أكثر من عشرات العلاقات العابرة.
في النهاية، لا تقاس قيمة العلاقات بعدد الناس حولنا، بل بالراحة التي يتركونها داخلنا، فالإنسان قد ينسى كثيراً مما قيل في المجالس، لكنه لا ينسى أبداً كيف شعر بعد أن غادر.
