مواهب سعيد*
ما الذي يجعل الناس يتذكرون مدينة بعد انتهاء العيد؟
في رأيي، ليست الفعاليات وحدها، ولا التخفيضات، ولا حتى حجم الإنفاق. ما يبقى فعلاً هو التجربة التي يعيشها الناس: هل كانت المدينة مريحة؟ منظمة؟ واضحة؟ وهل شعر الناس بأن كل شيء صُمم من أجلهم، أم أنهم مجرّد جزء من زحام موسمي مؤقت؟
المشكلة أن كثيراً من المدن والعلامات التجارية في المنطقة لا تزال تتعامل مع مواسم الأعياد باعتبارها «فترة تشغيل قصيرة»، أو فرصة لزيادة الاستهلاك، بينما تحولت هذه المواسم عالمياً، إلى اختبار حقيقي لهوية المدينة، وصورتها الذهنية، وقدرتها على تقديم تجربة متكاملة للناس.
ففي الشرق الأوسط اليوم، لم تعُد الأعياد مجرّد إجازات، أو مناسبات اجتماعية، بل لحظات تكشف كيف تفكر المدن، وكيف تدير تفاصيلها، وكيف تنظر إلى الإنسان داخل المشهد الحضري والاقتصادي.
ومن واقع عملي في استراتيجيات العلامات التجارية وإدارة المشاريع، أرى أن الخطأ الأكثر شيوعاً خلال المواسم هو التركيز على «الضجيج التسويقي»، بدل بناء تجربة متناسقة ومريحة. فبعض الجهات تعتقد أن زيادة الفعاليات أو الحملات الإعلانية كافية لصناعة صورة ذهنية قوية، بينما التجربة الفعلية للناس هي ما يحدّد علاقتهم بالمكان، على المدى الطويل. فالناس لا يتذكرون عدد الإعلانات التي شاهدوها خلال العيد، لكنهم يتذكرون، بسهولة، ساعات الازدحام الطويلة، وصعوبة الوصول، وجودة التنظيم، وطريقة تعامل الخدمات مع الضغط الموسمي. ولهذا، أصبحت التفاصيل الصغيرة اليوم جزءاً من «سمعة المدن»، بقدر أهمية المشاريع الكبرى نفسها.
وهنا تحديداً، تظهر أهمية المدن التي تنجح في بناء «هوية حضرية» واضحة خلال المواسم، بحيث تصبح التجربة امتداداً لشخصية المدينة نفسها، لا مجرّد نشاط مؤقت مرتبط بالعطلات.
وفي الإمارات، تبرز الشارقة كنموذج مختلف في هذا السياق، لأنها لا تتعامل مع العيد باعتباره موسم استهلاك فقط، بل كجزء من صورة المدينة، وهويتها الثقافية والعائلية، فالاستعدادات التي تشمل المرافق العامة، والأسواق، والحدائق، والفعاليات، وحركة المدينة، تبدو أقرب إلى «تصميم تجربة متكاملة»، أكثر من كونها ترتيبات تشغيلية مؤقتة.
واليوم، تبدو الشارقة من المدن القليلة التي نجحت في الحفاظ على هويتها الثقافية والعائلية، بالتوازي مع التطور الحضري المتسارع، ما يمنح تجربة العيد فيها طابعاً مختلفاً، أكثر قرباً من الناس، وأكثر اتساقاً مع شخصية المدينة نفسها.
كما أن تنوع الأنشطة والمعارض والمواسم العائلية خلال العيد، يعكس فهماً متقدماً لفكرة «تسويق المدن»، حيث لم تعد المنافسة بين المدن الخليجية قائمة على البنية التحتية، أو المشاريع الضخمة فقط، بل على جودة الحياة.
وهذا يرتبط بفكرة مهمة كثيراً ما يتم تجاهلها في التسويق الحضري، وهي أن هوية المدن لا تُبنى عبر الشعارات، بل عبر التفاصيل اليومية التي يعيشها الناس فعلاً. فالمدينة التي تنجح في إدارة أكثر مواسمها ازدحاماً بسلاسة وهدوء، ترسل رسالة أقوى بكثير من أيّ حملة دعائية.
وفي السنوات المقبلة، أعتقد أن المنافسة الحقيقية بين المدن الخليجية لن تكون على عدد الفعاليات أو حجم الإنفاق فقط، بل على قدرة كل مدينة على تصميم تجربة إنسانية متكاملة، يشعر فيها الناس بالراحة، والانتماء، والثقة.
لأن المدن الناجحة لا تجعل الناس يزورونها فقط، بل تجعلهم يرغبون في العودة إليها مرة أخرى.
* الشريكة المؤسسة والمديرة العامة لـ «يازميديا»
