لست أدري ماذا يمكن للكتابة عند توضيبها خروجاً بها إلى الضوء في زمن حضاري تتعثّر البشرية فيه حيال الخطب والتهديدات النووية؟ تسقط بلحظة منجزات قرون من الحضارات البشرية ومنجزاتها وتطلّعاتها ليسقط العالم في البلاهة والضياع وقهر الخرائب البشرية التي نعيشها ونعانيها في لبناننا الصغير، ثم لا ننام إلا بعد تقفّي الغد القصير الخطر. أرى البشرية تسهر قلقة أمام أمرين: مستقبل الصدفة ومآل السلطات الدولية المنظمة والعشوائية الكبرى والصغرى على حد سواء. نعم. عندما يصير تبادل الصواريخ الجهنمية رمزاً يومياً يدكّ المدن والقرى والمجتمعات والعقول، نسقط هوية الصراع في عصر الحضارات من جواهرها الثقافية والاقتصادية إثر «تفكيك المجتمعات» من داخل. قد ننتظر طويلاً ونموت كثيراً قبل أن تصدأ تلك الخطب والشاشات والقذائف أو تسكت في لحظات كثيرة عصية من صراع الدول لسببين:
أوّلهما، لأننا نماذج من الكائنات المعاصرة نقفز من غصن إلى آخر حيال الشاشات، نتلمّس ضحالتها وقلّة تأثيرها في ميادين الدماء والخرائب أو المعرفة والاطلاع وصيانة المستقبل، وثانياً لأننا انخرطنا جميعاً بأنظمة التواصل والجنوح المرضي الصارم والاستغراق في تقفي التواصل وبرامجه وتطبيقاته.
يدهشني أن تألف العين البشرية اليوم بأجيالها المتعدّدة متابعة مشاهد العنف والقتلى وركام الحضارات، كمن يتفرّج على مشاهد أفلام سينمائية يختلط فيها الخيال بالواقع.
لماذا الكتابة؟ لأن في المثلّث الغامض من العلاقات بين أمريكا وإيران وروسيّا والصين وباكستان والمحاط بهدأة الاشتعال السوري والكوارث اللبنانية قتلاً وفتكاً وتدميراً ونزوحاً وفقراً وتهجيراً إلى الانقسامات ويقظة المصالح وتنافس عواصم العظمة على يقظة البحث في تحديد مستقبل إيران النووي لطالما هو العنوان الذي لم يتّضح بعد إن كانت تخلت أو ستتخلى طهران عن مخزونها النووي. يقوى هذا التنافس المدروس بين الطلبات والعقوبات لتوضيح الرسالة «الإسرائيلية» إلى أمريكا بوجود حلفاء عالميين لا يعدون في مواقفهم من النووي الإيراني. صحيح أن أمريكا قد تركت طهران الشاه تتعاقد على بناء ثماني محطّات نووية على أساس ضمانها المطلق لاستقراره في صفوف حلفائها، وصحيح أن العالم استغرق عشر سنوات من المفاوضات النووية بين إيران الثورة الإسلامية ومجموعة «5+1» (الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وروسيا والصين) لكنّ الصحيح أنّ بسمة طهران تنبع من ضيقها للتخفيف من العقوبات بما يجعلها ترى العين «الإسرائيلية»، عدوّاً مضاعفاً حيال ملامح الاتفاقات الكثيرة المقترحة.
أين هي روسيا من هذا؟ لم نفهم تماماً قبل الثورة «كلام» روسيا التي بنت أول محطة إيرانية للطاقة النووية، عندما راحت «تؤيّد رغبة إيران في الاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم»، ولم نفهم معنى التفاؤل الروسي بعدها القائل بأنّ القوى العالمية وإيران قد تتوصل إلى اتفاق مبدئي للحد من البرنامج النووي الإيراني.
قد يصعب فكّ الألغاز بين الدول العظمى في الموضوع النووي إذا تذكّرنا أن أمريكا حاولت منع فرنسا من صنع السلاح الذرّي المستقل بما أخصب بذرة الخلاف على العظمة بين أمريكا وفرنسا ديغول، وحاولت روسيا بدورها منع الصين من النووي، بالرغم من اعتبارها يومذاك دولة كبرى. هناك غموض لم يظهر تراكم الأسرار في علاقتيهما مع حسباننا للمتغيّرات الكبرى التي حصلت في المنظومة الاشتراكية، وتوسع المنظومة الأوروبية في أعبائها الكثيرة.
وهنا أسئلة كثيرة يمكن للمرء أن يدرجها وهي تدعم هذا الغموض النووي الذي يبقي على العرب وغير العرب خارج دوائر امتلاك الأسلحة الذرّية، بل خارج أيّ تفكير جدّي في المعرفة ولنسمّها الثقافة النووية بسؤال واحد أخير: من يتذكّر حادثة سرقة أسرار الطائرة الفرنسية «ميراج» التي صنّعتها «إسرائيل» وأسمتها «كفير»؟ ألم تنكشف السرقة في سويسرا وحوكم فيها آنذاك مسؤولون متعددون هناك ولم تلفظ فرنسا كلمة رسمية حول تلك الحادثة؟
ينزف الحبر اليوم أكثر من أيّ عصر، بحثاً عن التنوير والتطوير ووقف كوارث البشرية الضائعة بين القشور والبذور، وبين الحداثة والتحديث، أو بين التغيير والغير، والإنتاج والاستهلاك، لأرى خواف المدن والعواصم والنواحي والأبنية الزجاجيّة والساحات الجميلة والجنائن الصحراوية الخضراء تضرب كفّاً بكفٍّ لما يحصل.
