يمر حلف شمال الأطلسي «الناتو» اليوم بأخطر تحول بنيوي منذ تأسيسه عام 1949، فالتوسع الجغرافي الأخير بانضمام فنلندا والسويد، والذي روج له كأكبر صفعة استراتيجية لروسيا، تحول سريعاً إلى قيمة محدودة في ظل اعتماد أوروبا الكبير على العباءة الأمريكية، إذ تزامن تمدد الحلف تقريباً مع وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، والذي تبنى شعار «أمريكا أولاً»، وحوله فعلاً إلى إجراءات عملية على الأرض.
لم يعد «الانكفاء الأمريكي» عن أوروبا والذي تبناه ترامب مجرد تصريحات سياسية للضغط، بل تحول إلى واقع عسكري ملموس أربك العواصم الأوروبية، فقد أعلن البنتاغون خفض عدد ألوية قواته المنتشرة في القارة العجوز، بالتوازي مع خطة لسحب 5 آلاف جندي من ألمانيا، وتأجيل نشر 4 آلاف آخرين في بولندا.
هذا التراجع العملي، الذي يعيد حجم الانتشار الأمريكي إلى مستويات ما قبل عام 2021، وضع أوروبا أمام «لحظة الحقيقة»، فالولايات المتحدة نقلت مركز ثقلها الاستراتيجي، ولم يعد أمن أوروبا ضمن أولوياتها الدفاعية الأولى، في ظل تركيزها على الصعود الصيني، ما يعني إجبار القارة على «الفطام العسكري» السريع.
في المقابل، تبدو روسيا في أعلى درجات جاهزيتها للمواجهة الطويلة، بعدما نجحت في تحويل اقتصادها بالكامل لخدمة المجهود الحربي، وعززت تحالفاتها العسكرية مع الصين وكوريا الشمالية. ورغم الانقسام في تقدير حجم الخطر الروسي -بين خبراء ألمان يرونه مبالغاً فيه ومبنيّاً على دعاية موسكو، ومسؤولين في دول البلطيق يطالبون بضرب عمق منطقة «كالينينغراد»- فإن الاحتكاكات الميدانية بلغت ذروتها.
فتفعيل لاتفيا لمقاتلات الناتو لاعتراض مسيرات مشتبه بها، وتزايد نشاط «أسطول الظل» الروسي في البلطيق، يثبتان أن المنطقة باتت برميل بارود قابلاً للانفجار، في لحظة خطأ لم يحسب لها حساب.
أمام هذا المعطى المعقد، لم تقف دول شمال وشرق أوروبا مكتوفة الأيدي، حيث صاغت «خطة بديلة» للقتال من دون واشنطن، وتتطلع هذه الدول إلى «القوة الاستكشافية المشتركة» بقيادة بريطانيا، والتي تضم 10 دول إسكندنافية وبلطيقية، كإطار دفاعي مستقل يمتلك غرف قيادة وشبكات اتصال معزولة عن القيادة التقليدية للحلف، ورغم أن هذه الخطة تعاني من ضعف القدرات البريطانية وغياب قوى كبرى كألمانيا وفرنسا، فإنها تعكس قناعة أوروبية راسخة بأن الردع المبني على حليف قد يغيب وقت الحرب ليس ردعاً حقيقياً.
إن اجتماع وزراء خارجية الناتو في السويد، تمهيداً لقمة أنقرة المفصلية في يوليو المقبل، ليس مجرد لقاء بروتوكولي، بل هو اعتراف ضمني ببدء حقبة الاعتماد على الذات، ورغم محاولات التحديث العسكري في ألمانيا والدعوات الفرنسية للاستقلال الاستراتيجي، تظل الجيوش الأوروبية مكشوفة في مجالات الاستخبارات، والأقمار الصناعية، والردع النووي، ما يجعل مرحلة الانتقال الراهنة الأخطر في تاريخ القارة الغربية.
