الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

قبسٌ من معجم الأمة

24 مايو 2026 22:12 مساء | آخر تحديث: 24 مايو 22:18 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
قبسٌ من معجم الأمة
icon الخلاصة icon
المعجم التاريخي يوثق تطور مفردات العربية ويعرض دلالات تربّب وتربّص ورمى عبر العصور مع شواهد من الشعر والقرآن والنقوش القديمة
المعجم التاريخي للغة العربية، هو في العمق معجم الأمة الذي يدون مفرداتها، ويوثق تطور كل كلمة بمعناها ودلالتها وسياق استخدامها وفضاء تداولها، وعندما نفتحه فنحن في الحقيقة لا نطل على اللغة وحسب، ولكننا نشاهد تاريخ العرب يتحرك أمامنا من خلال شعرهم ونثرهم، أيامهم وملاحمهم، أمثالهم وحكمهم، ومع كل هذا نشعر بآمالهم وطموحاتهم وأمنياتهم وما فكروا فيه، وما حلموا به..
ونظراً لفرادة المعجم في معناه ومبناه نقتبس منه في هذه الزاوية في كل أسبوع قبساً يضيء جانباً من روح الأمة التي يحق لها أن تفرح وتفخر بهذا المعجم.

تَرَبَّب

وردت كلمة «تَرَبَّب» في المعجم التاريخي للغة العربية بدلالات متعددة، مما يكشف عن ثرائها الدلالي واتساع حضورها في الاستعمال اللغوي، وهي من الجذر (ر ب ب )، وهو جذر لغوي وجد في عَدَدٍ مِنَ النُّقوشِ العَربيّةِ الجَنوبِيّةِ، مِنْ بَينِها نَقْشٌ سَبَئِيٌّ يَعُودُ تاريخُهُ إلى فَتْرةِ ما بَينَ القَرنَينِ الرّابعِ والسَّادِسِ المِيلادِيَّيْنِ، ويأتي هذا الجذر في معانيه على ثلاثة أوجه: إصْلاحُ الشَّيْءِ، والقِيامُ على الشَّيْءِ، وضَمُّ الشَّيْءِ للشَّيْءِ.
ويقال تَرَبَّبَ الشَّيْءُ: أي بمعنى نَما واكْتَمَلَ.
ونجد استخدامها في عصر ما قبل الإسلام في قول الشاعر علقمة الفحل، الذي يتغزل في محبوبته فيقول:
مُبتَّلَةٌ كَأنَّ أنْضاءَ حَلْيِها
على شادِنٍ مِنْ صاحَةٍ مُتَرَبِّبِ
مَحالٌ كَأجْوازِ الجَرادِ ولُؤْلُؤٌ
مِــنَ القَلَــقِيِّ والكَــبيسِ المُلَــوَّبِ
ويقال تَرَبَّبَ القَوْمُ: أي بمعنى تَجَمَّعوا.
ونجد شاهداً على هذا المعنى في قول الفَرَزْدَقُ يَصِفُ ما حَدَثَ بَعْدَ مَقْتَلِ قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِم الباهِلِيِّ:
وإذا الرَّبابُ تَرَبَّبَتْ أحْلافُها
عَظُمَتْ مُخاطَرَتي وعَزَّ نَصيري
وقالت العرب تَرَبَّبَ فُلانٌ الوَلَدَ وغَيْرَهُ: أي أحْسَنَ القِيامَ عَلَيْهِ.
ونجد شاهداً على ذلك في عصر ما قبل الإسلام، فقالَ حسانُ بنُ ثابتٍ يَتَغَزَّلُ:
ولَأنْتِ أحْسَنُ إذْ بَرَزْتِ لنا
يَوْمَ الخُروجِ بِساحَةِ القَصْرِ
مِنْ دُرَّةٍ أغْلى المُلوكُ بِها
مِمّا تَرَبَّبَ حائِرُ البَحْرِ
كما تحمل هذه الكلمة معنى آخر في قولنا، تَرَبَّبَ الشَّيْءَ: أي بمعنى تُعنِيَ بِهِ وأصْلَحَهُ.
فيقول مُعَقِّرُ بْنُ أوْسٍ يَتَغَزَّلُ بِامْرَأةٍ:
تَراءَتْ يَوْمَ نَخْلَ بِمُسْبَكِرٍّ
تَرَبَّبَهُ الذَّريرَةُ والنَّصيفُ
أما قولنا تَرَبَّبَ العِنَبَ ونَحْوَهُ: فيكون المعنى طَبَخَهُ ليَكونَ رُبًّا أوْ دِبْسًا.
وقد رُوي أن رجلاً مِنَ المُسْلِمينَ أجاب عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لمّا سَألَهُ عَنِ المُفاضَلَةِ بَيْنَ النَّخْلَةِ والكَرْمَةِ:
«الحُبْلَةُ: أَتَزَبَّبُها، وأتَرَبَّبُها، وأُصْلِحُ بها بُرْمَتي، وأنامُ في ظِلِّها».
والحُبْلَةُ هنا بمعنى الكَرْمَةُ

تَرَبَّصَ

تتعدّد دلالات الفعل «تَرَبَّصَ» في العربية، وتتشعب معانيه تبعاً للسياق الذي يرد فيه، فيتراوح معناه بين الانتظار المحايد، والتريث المقصود، والترقب المصحوب بنية أو غاية، وقد يتخذ أحياناً بُعداً سلبياً حين يقترن بتوقّع السوء أو الإضرار.
فيقال تَرَبَّصَتِ المَرْأَةُ بِنَفْسِها: إي انتَظَرَتْ مُرورَ عِدَّتِها مِنْ طَلاقٍ أو وَفاةِ زَوْجٍ؛ لِيحِلَّ لَها الزَّواجُ بآخَرَ.
ونجد شاهداً على ذلك في القُرْآنِ الكَريمِ في قوله تعالى:
﴿‌وَٱلمُطَلَّقَٰتُ ‌يَتَرَبَّصنَ ‌بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٖ ﴾
ويقال تَرَبَّصَ فُلانٌ وغَيْرُهُ أمْراً: أي تَرَقَّبَهُ وانْتَظَرَهُ وتأنَّى فيهِ، وقَدْ يَطولُ في الانْتِظارُ.
كما في قول ابْنُ مَيّادةَ يصِفُ بَرْقاً:
تَرَبَّصَ ‌اللَّيلَ ‌حَتَّى ‌قالَ ‌شائِمُهُ:
عَلى الرُّوَيْشِدِ أَو حَرْجائِهِ يَدِقُ
ومن المعاني المتعددة أيضاً لهذه المفردة التي تتغير تبعاً للسياق، قولنا تَرَبَّصَ فُلانٌ بفُلانٍ الدَّوائِرَ: أي انْتَظَرَ أنْ تَحِلَّ بِهِ نَكْبَةٌ أو مُصيبَةٌ.
ويتجلى هذا المعنى في القُرْآنِ الكَريمِ في قوله جل جلاله:
﴿وَمِنَ ٱلأَعرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ‌ٱلدَّوَآئِرَ﴾.

رَمى

رَمى بفتح الراء تنتمي للجذر اللغوي (ر م ي)، والذي وجد في عَدَدٍ مِنَ النُّقوشِ القديمة، مِنْ بَينِها نَقْشٌ صَفائيٌّ غَيرُ مُؤرَّخٍ، وَرَدَ فيهِ الفِعْلُ (رمي) أيْ: ( رمى)، فَجاءَ في النَّقْشِ: «ر م ي ب ر م ح ه»، أيْ: «رَمى بِرُمحِهِ»، واحْتَفظَتِ السّاميّاتُ بِهذا الجَذْرِ مِنَ العَربيّةِ الأُمِّ، فقَدْ وَرَدَ في الأكَّديّة والأوجاريتيّة والآراميّة والسُّرْيانيّة، والمعاني الكلية لهذا الجذر: نَبْذُ الشيْءِ، أو الإصابَةُ بِشْيءٍ، أو بُلوغُ الغايَةِ في الشيْءِ.
وقد استُخدمت هذه المفردة في حقب زمنية مختلفة تمتد من العصور القديمة حتى عصرنا الحالي حاملة نفس المعنى والدلالة فيقال:
رَمى الشَّيْءَ، وبِهِ: أي أَلْقاهُ وقَذَفَ بِهِ
ونجد شاهداً على ذلك في عصر ما قبل الإسلام في قول مالِكُ بْنُ فَهْم يَصِفُ ناكِرَ الجَميلِ:
أُعَلِّمُهُ الفُتُوَّةَ كُلَّ وَقْتٍ
فَلَمّا طَرَّ شارِبُهُ جَفاني
رَمى عَيْني بِسَهْمٍ أشْقَذِيٍّ
حَديدٍ شَفْرَتاهُ لَهْذمانِ
وفي العصر العباسي قالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ يَذْكُرُ اسْتِشْهادَ مَهْجَعٍ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ يَوْمَ بَدْرٍ:
«وكانَ ‌رَماهُ عامِرُ بْنُ الـحَضْرَميّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ».
وفي العصر الحديث قالَ المُظْهِريُّ يُفَسِّرُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ‌حَصَبُ ‌جَهَنَّمَ أَنتُم لَهَا وَٰرِدُونَ﴾
«أي: ما يُرْمى بِهِ إلَيْها، ويُهَيَّجُ بِهِ».

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة