الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

قوة الحوسبة في معركة الذكاء الاصطناعي

26 مايو 2026 21:59 مساء | آخر تحديث: 26 مايو 22:05 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share
ريان فيداسيوك
أصبحت قوة المعالجة الحاسوبية الخام - والمعروفة في الصناعة باسم «الحوسبة» - تشكل عنق الزجاجة في تطوير الذكاء الاصطناعي العالمي، وهو ما تدركه الصين التي توليه اهتماماً مركزياً.
ومنذ فبراير، أديرت منصة تحليلات الذكاء الاصطناعي تحت مسمى «السفارة الرقمية». وهي منصة تجمع بين خدمة استخبارات خاصة، وخدمة عامة، إذ تُحلل الأخبار اليومية من 22 عاصمة عالمية على غرار مشروع المصادر المفتوحة التابع لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية. وقد أصبحت صيانتها مكلفة للغاية. فأنا أعالج نحو 10 ملايين «رمز» يومياً - أي 8 ملايين كلمة، بكلفة تتجاوز 1000 دولار شهرياً- لكي تنفذ نماذج الذكاء الاصطناعي في شركة «أنثروبيك» مهام التفكير والكتابة، التي كانت تتطلب سابقاً مئات المحللين الحكوميين.
وبدلاً من الاستمرار في الإنفاق المفرط، توصلتُ إلى استنتاج مشابه لاستنتاج العديد من مطوّري البرامج، مفاده أن حرية البرمجة تتطلب حرية الحوسبة. لذا ذهبتُ لشراء جهاز كمبيوتر جديد، قادر على تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي «المفتوحة» بنفسي. لم أكن أرغب في الاقتصار على تشغيل نظام ذكاء اصطناعي «صغير» ذي معدل إنتاجية منخفض، بل أردتُ تشغيل بعضٍ من أفضل النماذج متوسطة الحجم التي تقدمها شركات أمريكية، مثل جوجل وميتا، أو مختبرات صينية، مثل ديب سيك وكوين.
كنتُ بحاجة إلى جهاز متطوّر، لا مجرّد حاسوب محمول عادي. لذا ادّخرتُ مبلغ 8000 دولار لشراء حاسوب من الطراز الأول: ماك استوديو مزود بشريحة منطقية M3 Ultra من أحدث جيل، وذاكرة وصول عشوائي (RAM) سعتها 256 جيجابايت - وهي سعة كافية لتشغيل 80 مليار مُعامل في نموذج متوسط الحجم.لكن لم يسمح لي موقع آبل الإلكتروني بإتمام الطلب. والسبب، هو أنهم توقفوا عن تصنيعها مؤخراً. فقد نفدت مخزونات المصانع الكورية الجنوبية التي تُنتج ذاكرة النطاق الترددي العالي لجهاز ماك استوديو. وعلى حد علمي، لا توجد أجهزة ماك استوديو مزودة بتلك الشرائح متاحة للشراء في أيّ مكان في العالم.
هذه الحلقة هي لمحة عن الواقع الكئيب لسلاسل توريد الحوسبة في عام 2026. ببساطة، لم يعد من المجدي لثالث أكبر شركة في أمريكا أن تنتج جهاز كمبيوتر شخصياً بقيمة 8000 دولار لعميل «منخفض الكلفة» مثلي.
إن تداعيات النقص العالمي في القدرات الحاسوبية تتجاوز بكثير نطاق جهاز الكمبيوتر المنزلي الخاص بي. فهناك حصن منيع يُقام حول الوصول إلى القدرة الحاسوبية. ويشعر مطورو الذكاء الاصطناعي، في الصين، بهذا النقص أيضاً.
وقد أذهل إطلاق برنامج «كلود ميثوس» من شركة «أنثروبيك» العالم، مؤخراً، بقدرته على اكتشاف ثغرات أمنية جديدة في جميع متصفحات الإنترنت وأنظمة التشغيل تقريباً. وقد أثار تطوير هذا «السلاح السيبراني الخارق» حالة من الذعر بين كبار المسؤولين في إدارة ترامب، الذين عقدوا اجتماعاً طارئاً مع الرؤساء التنفيذيين لشركات التكنولوجيا والمؤسسات المالية، لوضع خطة لمواجهة إطلاقه.
لكن السؤال الذي يهيمن الآن على النقاشات في واشنطن وسان فرانسيسكو: ماذا سيحدث عندما تلحق النماذج الصينية مفتوحة المصدر بالركب؟ هذا سؤال لا مبرر له. فهناك ما يدعو للاعتقاد بأن الذكاء الخارق سيظل محصوراً خلف قدرات حاسوبية هائلة.
والمسار الأكثر ترجيحاً هو وجود انقسام ملحوظ بين طرفي سلسلة قيمة الذكاء الاصطناعي، حيث تكتسب المختبرات الصينية حصة سوقية عالمية في الأسفل - على الأجهزة الطرفية التي يمتلكها الناس بالفعل، أو لا يزال بإمكانهم شراؤها بسهولة - بينما تظل الأنظمة الأكثر قوة محصورة خلف خندق حوسبة هائل في الأعلى.
في أدنى مستويات الأداء، تستقطب مختبرات الذكاء الاصطناعي الصينية مطوري الذكاء الاصطناعي حول العالم. ويمكن تشغيل نماذج التركيز المتناوب، التي طورتها شركات مثل «ديب سيك» و«مون شوت» محلياً، على الأجهزة الطرفية. وتحظى هذه النماذج بشعبية متزايدة لدى الجمهور العالمي، ما يؤثر سلباً في أرباح مختبرات الذكاء الاصطناعي الأمريكية.
وتركز الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين، بشكل أساسي، في تعزيز تبنّي الذكاء الاصطناعي، من خلال تشجيع مستخدمي الإنترنت على استخدام برامج شخصية، مثل «أوبن كلو»، لإنشاء شركات فردية من شأنها تسريع التنمية الاقتصادية الشاملة في الصين، واستيعاب جزء من أعداد الشباب العاطلين عن العمل.
لقد باتت حماية أجهزة الحاسوب الضخمة أكثر تعقيداً. ولهذا السبب تحديداً، أصبحت ضوابط التصدير الأمريكية على أشباه الموصلات المتقدمة أكثر أهمية الآن من أيّ وقت مضى، منذ إنشائها في عام 2022. فهذه الضوابط تقيّد كمية ونوعية الحوسبة المتاحة للأجهزة العسكرية والاستخباراتية الصينية، كما أنها تعزز، في الوقت نفسه، الظروف الهيكلية التي تجعل من الصعب على بكين توزيع قدرات الذكاء الاصطناعي المتطورة على نطاق واسع.
إن تخفيف هذه القيود لا يؤدي إلا إلى تضييق الخندق الحسابي الذي يفصل حالياً الذكاء الاصطناعي المخصص للمستهلكين، عن نوع القدرة التي استخدمتها شركة «أنثروبيك» لتوليد ثغرات في كل نظام تشغيل ومتصفح ويب معروف.
خلال عام 2026 ستتضح للجميع أهمية تفوّق الصين في مجال الحوسبة، وهو العام الذي ستغيّر فيه الصين، على الأرجح، رأيها بشأن الاعتماد الكامل على البرمجيات مفتوحة المصدر. من هنا لا ينبغي لواشنطن أن تُسهّل على بكين تضييق الفجوة في هذه اللحظة بالذات.
*باحث في معهد أمريكان «إنتربرايز»
(ذا ناشونال إنتريست)

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة