الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

هل يملك المركزي الأوروبي ترف الانتظار؟

26 مايو 2026 21:55 مساء | آخر تحديث: 26 مايو 21:58 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
جوي سيوللي
عندما يشير صنّاع السياسات في البنك المركزي الأوروبي إلى أنهم يمتلكون «ترف» الانتظار قبل رفع أسعار الفائدة مجدداً، فهم لا يصدرون حكماً تقنياً فحسب بشأن التضخم، بل يرسلون رسالة اقتصادية وجيوسياسية أوسع مفادها أن أوروبا تعتقد أن الوقت، في هذه المرحلة على الأقل، يعمل لصالحها. فنحن نعيش في ظل اقتصاد عالمي يغوص في ارتدادات التضخم والحروب والضغوط المالية، حيث أصبح الصبر نفسه أداة من أدوات السياسة النقدية.
في قاموس البنوك المركزية، لا تعني كلمة «ترف» الراحة أو التراخي، بل تعني مرونة في السياسة، أي القدرة على تأجيل التشديد النقدي لأن ضغوط التضخم تتراجع، أو لأن مخاطر النمو تتزايد، أو لأن الأوضاع المالية أصبحت مقيدة.
بالنسبة للبنك المركزي الأوروبي، تنبع هذه المرونة من ثلاث حقائق هيكلية هي أن التضخم يتراجع، لكن بشكل غير متوازن، والنمو الاقتصادي في منطقة اليورو لا يزال هشاً، ومخاطر الاستقرار المالي ما زالت مرتفعة.
لم يعد التحدي اليوم هو مكافحة تضخم جامح كما كان في 2022–2023، بل تجنب الإفراط في التشديد الذي قد يدفع الاقتصاد إلى الركود.
ويختلف موقف البنك المركزي الأوروبي ولو بشكل غير مباشر عن موقف الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. فالاقتصاد الأمريكي أظهر نمواً أقوى وسوق عمل أكثر متانة، وهي معطيات لا تمنح صانعي السياسة مساحة كافية للتريث. أما أوروبا، فتواجه إنتاجاً صناعياً أضعف، وإنتاجية متباطئة، واعتماداً مستمراً على الطاقة المستوردة.
ولا شك أن مثل هذا التباين يعكس اختلافات هيكلية ذلك أن الاقتصاد الأمريكي قائم على الطلب المحلي بدرجة أكبر من اعتماد الكثير من الاقتصادات الأوروبية الأشد حساسية للتجارة الخارجية والطاقة، ناهيك عن أن التعافي الأوروبي ما زال رهين الصدمات الخارجية.
أما من منظور الاقتصاد السياسي، فإن صبر البنك المركزي الأوروبي ليس مجرد حذر بل ضرورة شريطة أن يأخذ بعين الاعتبار أن المخاطر الخفية ربما تكمن في الانتظار أكثر من اللازم، وأن الصبر يمكن أن يثبت التوقعات ويهدئ الأسواق، لكنه قد يخلق مخاطر جديدة.
وفي حال طال الانتظار قد يعاود التضخم الارتفاع، خصوصاً إذا ارتفعت أسعار الطاقة، وقد تتشكل فقاعات في الأصول، خاصة في العقارات أو الديون السيادية، وعندها قد تتآكل مصداقية السياسة النقدية.
ومعلوم أن فاعلية البنوك المركزية تعتمد على المصداقية بقدر اعتمادها على أسعار الفائدة. والتأخر في التحرك قد يُفسَّر على أنه ضعف لا حكمة.
وقد ظهر خطر التردد بوضوح خلال أزمة الديون السيادية الأوروبية عندما أدى بطء الاستجابة السياسية إلى تعميق الانقسامات المالية داخل منطقة اليورو. لذلك فالعبرة لا تزال ماثلة أمام أعين الجميع وخلاصتها أن التوقيت هو روح السياسة النقدية.
وهناك بعد سياسي للاقتصاد النقدي حيث إن قرارات أسعار الفائدة ليست اقتصادية بحتة، فهي تعيد توزيع الدخل والمخاطر داخل المجتمع. وهناك حالات تكون فترة التريث الطويلة مفيدة على الصعيد السياسي خاصة لدى الحكومات ذات الديون المرتفعة. كما يفيد التريث طويل الأجل قطاعات مثل المقترضين في القطاع العقاري والشركات التي تعتمد على التمويل الرخيص. لكن ذلك في الوقت نفسه يهدد بإلحاق الضرر بقطاعات أخرى منها المدخرون وصناديق التقاعد، ناهيك عن تبعاتها على استقرار العملة.
*كاتب عمود ومحلل مالي في صحيفة «بزنس إنسايدر»

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة