في السابق كان المرء يجلس مع الصديق أو القريب بكامل حضورهما الجسدي والنفسي، حضور كامل، وكلام يسبقه إصغاء ونظرة تقول ما لا تقوله الكلمات، ومشاعر دافئة يشعر بها الجميع، وتألف الروح بجليسها الذي هو جاء خصيصاً لأنه مشتاق، حضور جسدي ونفسي، يرى فيه مرآة تعكس همومه وأفراحه وما بينهما من مشاعر مختلطة، ويشعر بعد هذا اللقاء بتجدد في نفسه وراحة، أمّا اليوم فقد صارت الجلسة مسرحاً للغياب الجميل، حضور بالجسد، وتغيب الروح والحضور الحقيقي، ممسك بهاتفه المادي وكأنه رفيقٌ أبديٌّ له، وينسى من أمامه من رفيق بشري جاء لأنه مشتاق له.
الهاتف لم يسرق وقتنا فحسب، بل سرق انتباهنا وأجمل لحظاتنا مع بعضنا بعضاً، الانتباه هو الهدية الحقيقية التي نمنحها لمن نحب، حين تنظر إلى عيني من أمامك وتصغي إليه بحضور كامل، دون أن يشدك شيء كل لحظة في النظر إلى هاتفك، فأنت تقول له بدون كلام: أنت تستحق هذه اللحظة كاملة، أما حين تنزلق عيناك نحو الشاشة وأنت تومئ برأسك في كل لحظة، فأنت تقول له أيضاً وبدون كلام: أنت لست مهمّاً بالنسبة لي وثمة ما هو أهمّ منك.
هذا السلوك وهذا الحضور بأنك هنا ولكنك لست هنا. هو الذي سرق من الأحبة أهم لحظات بالإمكان عيشها بكل تفاصيلها.
ومن عاش هذا الشعور مع شخص لا يترك هاتفه من يده ولا لحظة، وحتى لو كان معه في مكالمة على الهاتف يشعر بأنه مشغول بشيء ولا يقدّر اللحظة ولا الشخص الذي يكلمه أو مشتاق له، ينفر من هذا الشخص ولا يودّ التواصل معه ولا لقائه، لأنه مشغول وبالكاد يسمعك، وكأنك تكلم نفسك، وتعيد عليه الجملة أكثر من مرة، لأنه بكل بساطة ليس معك، هو مع ما هو أهم منك، فإذا تكرر من شخص هذا الأسلوب مرة تلو مرة، فيجب أن تُكرم نفسك بعدم التواصل معه حتى ينتهي من انشغالاته اللانهائية، ومن الإنصاف قبل مقاطعته أن تخبره أنك تتضايق من هذا الأسلوب وعدم الانتباه واللامبالاة، فإذا اتعظ فهذا جيد، وإذا استمر، فمن حقك ألا تعاود اللقاء به، حتى يحترم من أمامه، وذلك بحضوره الكامل.
