يشهد عالم اليوم منافسة محتدمة بين القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين، حول قيادة قطاع الذكاء الاصطناعي، واتجاهاً متنامياً في المؤسسات العسكرية في دول العالم المختلفة لإدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في الأسلحة والعمليات الحربية، وسلاسل الاستهداف، والقيادة والسيطرة، والأنظمة اللوجستية. وهذا الاتجاه يؤسس لثورة «عسكرة الذكاء الاصطناعي»..
وبالنسبة للصين، وفي إطار جهودها لتجسير «فجوة القوة الشاملة» مع الولايات المتحدة، قائد النظام الدولي، تتصاعد جهودها لقيادة قطاع الذكاء الاصطناعي، سواء عبر تطوير النماذج المتقدمة، أو امتلاك البنية التحتية للحوسبة، أو التأثير في صياغة القواعد المنظمة لهذه التكنولوجيا، بصفة عامة، وإدماج تقنيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الاستخدام العسكري.
وتشير التقديرات إلى أن جيش التحرير الشعبي الصيني يناقش مفهوماً جديداً في الفكر العسكري يُعرف باسم «الاستراتيجية التكنولوجية»، يقوم على إعطاء الأولوية لتطوير خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وبناء منظومة تكنولوجية متكاملة قادرة على تحقيق مزايا لا متماثلة asymmetric في الحروب الحديثة.
والواقع أنّه لطالما ركز الجيش الصيني على مفهوم «التحول نحو نمط الحرب المُقاد بالذكاء الاصطناعي» (Intelligentization)، الذي يقوم على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي الناشئة مع أنظمة القتال التقليدية. كما أبدى اهتماماً متزايداً بإدماج الذكاء الاصطناعي في سلاسل الاستهداف والقيادة والسيطرة، والأنظمة اللوجستية.
وتُرجح التقديرات أن القيادة العسكرية الصينية تنظر إلى الصراعات الراهنة باعتبارها مرحلة انتقالية نحو مستوى أعلى من «الحروب المُقادة بالذكاء الاصطناعي»، تصبح فيه المنافسة الأساسية بين الخصوم قائمة على أنظمة إدارة البيانات، وليس على القدرات العسكرية التقليدية فقط. ويبدو أن الجيش الصيني بدأ يوسّع مفهوم «الحرب المُقادة بالذكاء الاصطناعي» ليشمل تطوير أساليب قتال جديدة بالكامل، بدلاً من الاكتفاء بإدماج الذكاء الاصطناعي في المنظومات القائمة.
وفي هذا الإطار، أكد أحد الباحثين في أكاديمية العلوم العسكرية الصينية، في مقال نُشر في 30 يونيو المنصرم، أن «الاستراتيجية التكنولوجية» المستقبلية ستعتمد على القدرة على التلاعب بالشبكات الذكية، وتوجيهها، وتعطيلها، وإعادة تشكيلها لدعم العمليات العسكرية الواسعة النطاق. ويرى الباحث أن الاعتماد المتزايد على تقنيات المعلومات في العمليات القتالية سيتيح للصين شلّ المنظومة العملياتية للخصم عبر تضليل أنظمة المعلومات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي التي يعتمد عليها. كما أشار مقال آخر، نُشر في الأول من يوليو الجاري، إلى أن وحدات قتالية في الجيش الصيني نسقت مع مؤسسات مدنية لتحسين قدراتها على معالجة البيانات خلال تدريبات عسكرية. فيما ركز مقال ثالث، صدر في 30 يونيو الفائت، على أهمية أنظمة القيادة والسيطرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في رفع كفاءة العمليات.
وتشير هذه المناقشات إلى أن الجيش الصيني يعمل على تطوير أنماط جديدة من القتال تتمحور حول السيطرة على المعلومات والبيانات.
وعلى الرغم من ذلك، ترى التقديرات أن الافتراضات المؤسسية التي يتبناها الجيش الصيني بشأن أثر التكنولوجيا الناشئة في الحروب قد تدفعه إلى المبالغة في تقدير الدور الحاسم للذكاء الاصطناعي. فالتجارب الميدانية في كل من أوكرانيا والشرق الأوسط أظهرت أن الذكاء الاصطناعي أدى دوراً داعماً ومهماً، لكنه لم يتحول حتى الآن إلى العامل الحاسم في تحديد نتائج الصراعات.
على أية حال، تعكس رؤية جيش التحرير الشعبي الصيني لمستقبل الحرب تحولاً نحو نموذج قتال قائم على هيمنة المعلومات، يركز على توظيف الذكاء الاصطناعي، وأسراب الأنظمة غير المأهولة، وشنّ عمليات تعطيل نظامي للبنى العسكرية والمدنية للخصم، بدلاً من الاعتماد على حرب الاستنزاف التقليدية. وتهدف هذه العقيدة إلى تفكيك منظومات القيادة والسيطرة والاتصالات لدى الخصم، وإحداث شلل مؤسسي ومجتمعي يسبق المواجهة العسكرية التقليدية، أو يغني عنها.
ولكن، من أهم العقبات التي تواجه الصين في هذا الخصوص هو اعتمادها على الرقائق الإلكترونية الغربية، الذي يمثل أحد أبرز القيود التي تحدّ من تطور قطاع الذكاء الاصطناعي المحلي، إلا أن بكين تعمل بصورة متسارعة على تعزيز صناعة أشباه الموصلات الوطنية.
وأفادت وكالة رويترز في 7 يوليو، بأن شركة DeepSeek الصينية، بدأت المراحل الأولى من تطوير رقائقها الخاصة بالذكاء الاصطناعي. كما كشفت شركة علي بابا، في مايو، عن رقاقة Zhenwu M890، التي تفوق الجيل السابق بثلاثة أضعاف من حيث الأداء، على الرغم من أن الفاصل الزمني بينهما لم يتجاوز عامين. وفي السياق نفسه، أعلنت هواوي اعتزامها إطلاق رقاقة Kirin 2026 خلال العام الجاري، والتي تعتمد على تقنية التكديس الرأسي للدوائر الإلكترونية بهدف رفع الأداء وزيادة كثافة الترانزستورات.
وعلى الرغم من هذه التطورات، لا تزال الرقائق الصينية متأخرة عن نظيراتها الغربية والأمريكية من حيث الجودة، والطاقة، الإنتاجية، وتضطر الصين لشراء احتياجاتها من الولايات المتحدة والدول الأوروبية.
