هل التراث مفهوم إنساني صرف؟ مؤخراً تحدث البعض بطريقة تقترب من الخيال العلمي عن التراث الذي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يمتلكه في المستقبل، والمسألة هنا لا تتعلق بأرشيف المعلومات الذي يمتلكه ذلك الذكاء، لكن بقيم وعادات وتقاليد معينة يستطيع هذا الذكاء أن يطورها ويشكل من خلالها ذاكرة وتاريخاً وهوية.
ربما ما يمنح الكلام عن تراث الذكاء الاصطناعي بعض الوجاهة تلك الحالة الحنينية التي نعيشها منذ سنوات عندما يتحدث الكثيرون عن تراث التلفاز أو المذياع أو أسطوانات التسجيل...إلخ، لكن هنا الدلالة تختلف، فتراث هذه الأجهزة خاص بنا نحن، بمعنى أن الفيلم القديم أو البرنامج المذاع منذ عقود يتعلق بإرث تركه صنّاعه من البشر، والوضع يختلف بالنسبة للذكاء الاصطناعي، فأن يطور هذا الأخير قيماً وعادات وسلوكيات خاصة به، معناه أنه لم يعد في حاجة إلى الإنسان، بما يؤشر إلى قدرته على الاستقلال النهائي عن البشر.
لكن ماذا يعني التراث أولاً بالنسبة إلينا؟ في الحالة العربية، تعد هذه الكلمة من أكثر المصطلحات لبساً وغموضاً، فهي متعددة المعنى والدلالة وتصيبك بالحيرة، وبخلاف ذلك فإن مفهوم التراث نفسه يتقاطع مع مفاهيم أخرى مثل الذاكرة والتاريخ، والبعض يفهم أنه يحيل إلى الأرشيف، وهناك فريق دخل في مماحكات لغوية بين التراث والإرث والموروث، والبعض الآخر يطابق بينه وبين الآثار، ولتحديد الدلالة أكثر قسمه فريق إلى تراث مادي وتراث آخر غير مادي.
في الفضاء الفكري العربي كان التراث أكثر إشكالية، فخلال الربع الأخير من القرن العشرين توجهت نخبة مفكرينا إلى التراث بحثاً وشرحاً وتحليلاً وصياغة مشروعات فكرية متكاملة، من أجل الإجابة عن حزمة أسئلة تحاول النهوض بالعرب لكي يلحقوا بركاب العصر، واستخدموا في سبيل ذلك مختلف الأدوات والمناهج وطبقوا نظريات معرفية عدة. لكن الأزمة الأولية التي تعترضك وأنت تتأمل هذا التيار، أنهم وضعوا التراث مقابل الآخر، بمعنى أن كل ما يدل على الذات والهوية والأصالة يتعلق بصورة ما بالماضي، وكل ما يرتبط بالحداثة والحاضر والمستقبل على صلة وثيقة بالآخر، هنا حدثت فجوة في الروح العربية بين ذاتها المفترض أن تعيش تسلسلها التاريخي بطبيعية وواقعها المغترب عن قيم وثقافة تستوردها من الخارج. وبرغم كل من يشتغلون بتلك المشروعات من أنهم يقومون بغربلة التراث لجعله معاصراً لنا فإنهم لم يستطيعوا تجاوز هذه الهوة وردم تلك الفجوة.
الإشكالية الأخرى التي نتجت عن تعاملنا مع التراث على مدار عقود، أن معظم مفكرينا باتوا من حيث لم يقصدوا ماضويين، يغرقون حتى آذانهم في التاريخ، يستلهمون تجاربهم ومعرفتهم منه، ويخوضون معاركهم على أرضيته، وحتى لو كان هدفهم هو الحداثة، فإن الماضي في النهاية قد انتصر عليهم وابتلعهم، من هنا نحن لا نملك الأدوات المعرفية العصرية لكي ننظر ونتأمل في عالم جديد يحتل في الذكاء الاصطناعي حيزاً موزوناً، ونفقد القدرة تماماً على الحديث عن تراث ربما يصنعه ذلك الذكاء يختلف نهائياً عن مفهومنا للتراث.
