..لن أستطيع منع نفسي من العودة أكثر من مرة إلى كتاب صغير جميل نقله إلى العربية عبدالله الزماي تحت عنوان «حياة الكتابة» =منشورات مسكيلياني 2018، وفيه، يروي تسعة كتّاب من العالم حَيَواتهم في الكتابة أو أثناء الكتابة، يروون حكايات عن كتبهم وعن شخصيات رواياتهم، وعن أنفسهم، وكيف ولدت أعمالهم الأدبية التي تتحوّل إلى حياة برمّتها ويجري معاينتها في هذا الكتاب بلغة أبسط ما يقال عنها إنها لغة غنائية، حتى يخال القارئ نفسه أنه قارئ قصيدة سردية خفيفة الدم..
..مدفوعاً بشغفي الشخصي لهذا النوع من الكتب سأعود من وقت إلى آخر إلى تلك الحكايات حول الكتابة، وكيف تولد، ومن أي دم وأرواح تتشكّل، وتصبح لغة كالجسد.. حية، دافئة وملموسة بالعينين كما باليدين..
يقول ادواردو غاليانو إنه حين كتب «كرة القدم في الشمس والظل» إنما أراد أن يفقد محبّو القراءة خوفهم من كرة القدم، وأن يفقد محبّو كرة القدم خوفهم من الكتب، ثم يروي هذه الحكاية.. يقول إن عضواً سابقاً في الكونغرس المكسيكي وهو (فيكتور كوينتانا) تم اختطافه في عام 1997 من قبل قتلة مأجورين، فكان أن طرحوه أرضاً وأوثقوا رباطه، وراحوا يركلونه حتى شارف على الموت، لكن، القتلة قبل أن يجهزوا عليه برصاصة بدأوا النقاش حول كرة القدم، ويقول غاليانو إنه على الرغم من أن عضو الكونغرس كان أقرب إلى الموت منه إلى الحياة فإنه أدلى بدلوه في النقاش حول كرة القدم، وأخذ يروي قصصاً للقتلة من كتاب (كرة القدم في الشمس والظل)، ومع كل حكاية من ذلك الكتاب كانت ثمّة دقائق تضاف إلى حياته، وفي الأخير تركه القتلة مضروباً وَمُحطّماً لكنه ظل حياً..
فيكتور كوينتانا هو الذي روى قصة اختطافه لإدواردو غاليانو، وهكذا أنقذ الكتاب حياته، قال له القتلة.. أنت في مأمن، وذهبوا بأسلحتهم إلى مكان آخر، بالحرف كما جاء في الكتاب..
في مكان آخر يسخر غاليانو من الجهل المطبق لدى أجهزة الرقابة الديكتاتورية على الكتب، ويقول إن كتابه «الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية» تم تداوله بحرّية بين السجناء السياسيين في الأرغواي حين صدوره في أوّل السبعينات خلال الأشهر التي شهدت الحكم العسكري للجنرال فرانسيسكو فرانكو، وذلك ببساطة لأن الرقابة ظنّت أن الكتاب يندرج في علم التشريح، وآنذاك، كما يقول غاليانو ساخراً لم تكن الكتب الطبية ممنوعة.
لقد بدا أن عبارة الشرايين المفتوحة في عنوان الكتاب قد أوحت للرقيب أنه كتاب طبي علمي، .. فسمح بتداوله، .. مع أن الكتاب نقدٌ مرير لتاريخ الديكتاتوريات السوداء في أمريكا اللاتينية..
