تواجه أمريكا، وربما للمرة الأولى منذ صعودها كقوة إمبراطورية على المسرح العالمي، بعد الحرب العالمية الثانية، حالة غير مسبوقة، كشفت عنها الأشهر الأخيرة، في حربها مع إيران. لا تتعلق هذه الحالة بمدى تفوقها، العسكري والاقتصادي والتكنولوجي، وإنما بمدى الثقة العالمية وبمدى قدرتها على الهيمنة في النظام الدولي، هذه الهيمنة التي كانت، في جوهرها، تعكس حالة من الإيمان العالمي بقدرة الولايات المتحدة على الحسم، وبمشروعية دورها في النظام الدولي، وهو دور يشهد حالة مراجعة عميقة، إن لم نقل اهتزازاً، وبالتالي، فإن السؤال المطروح لا يتعلق بكون الولايات المتحدة لا تزال القوة الأكبر أم لا، وإنما هل لا يزال العالم يثق بهذه القوة كما كان على مدار أكثر من ثمانية عقود؟ وهنا تحديداً، تتبدى ملامح ما يمكن تسميته ب«طور الشكّ العالمي».
إن مراجعة الدور الأمريكي في النظام الدولي، والتي تظهر اليوم بحدّة عبر عدد من المؤشرات، كانت قد بدأت فعلياً بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003، والذي طرح إشكالية تتعلق بمبررات التدخل، وحدوده، حين تبيّن أن الأسس التي بُنيت عليها الحرب لم تكن دقيقة، ما دفع العالم للنظر إلى السلوك الأمريكي بوصفه تعبيراً عن إرادة أحادية، أكثر منه قيادة دولية، ما أحدث تحولاً نوعياً، فلم تعد الولايات المتحدة تُنتقد على نتائج أفعالها فقط، وإنما أيضاً على دوافعها ونواياها، خصوصاًَ مع الافتراق، أو القطيعة التي أحدثها هذا الاحتلال، بين سردية أمريكية تاريخية تقول بدعم الديمقراطية، واحترام الأمم المتحدة، وبين واقع يفتت بلداً بأكمله، خارج إطار الشرعية الأممية، وكانت بذلك، لحظة احتلال العراق ملمحاً أساسياً من ملامح الانتقال إلى مرحلة الشكّ العالمي بأمريكا، كقائدة للنظام الدولي، ومسؤولة أساسية عن حماية القواعد الدولية.
بعد ذلك، جاءت لحظة الانسحاب من أفغانستان 2021 لتعمّق هذا التحول، ليس بوصفها نهاية حرب طويلة فقط، بل كصورة مكثفة لانكشاف استراتيجي، فقد أثار الانسحاب تساؤلات جديّة، لدى الحلفاء قبل الخصوم، حول مدى استمرارية الالتزام الأمريكي، وحول قدرة واشنطن على إدارة مشاريع طويلة الأمد، وبشكل أساسي حول صوابية الرؤية الاستراتيجية الأمريكية، من عدمها، ومستوى الارتجال في اتخاذ قرارات بالغة الأهمية، وعالية المخاطر والكلفة، بين احتلال سريع وانسحاب مفاجئ، بينهما عشرون عاماً من الفشل في تحويل أفغانستان إلى دولة مؤسسات، والأنكى من ذلك، أنها سلمت السلطة، فعلياً، لمن دخلت الحرب لإخراجهم من السلطة.
وفي الوقت الذي بقيت فيه الولايات المتحدة تعتمد على تعريف نفسها بصورة نمطية، مبنية على التفوّق العسكري، قياساً إلى ما تمتلكه من أساطيل بحرية وجوية، وتكنولوجيا عالية، وتمدّد عسكري على مساحات في مختلف القارات، وهو ما برح الرئيس دونالد ترامب التذكير به مرات ومرات في الأشهر الثلاثة الأخيرة، فإن العالم شهد صعوداً هادئاً للصين، من دون أن تلوّح بشكل مباشر بقوتها العسكرية، وهي دولة نووية، وتشكّل نحو 18% من الديموغرافيا العالمية، وثاني اقتصاد عالمي، وقد تمكنت من بناء شراكات واسعة، اقتصادياً وتجارياً، تكاد تكون الأوسع نطاقاً عالمياً، خصوصاً من حيث تصدير السلع.
وعلى الرغم من المكانة الكبيرة للصين في النظام والسوق الدوليين، إلا أنها آثرت عدم الانخراط في صراعات مباشرة في العالم، كما حافظت على الدوام على نبرة دبلوماسية رصينة. فيما عمد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى إهانة الرئيس الأوكراني زيلينسكي، خلال زيارته البيت الأبيض، كما انتقد الدول الأوروبية والعديد من زعمائها بشكل فظ، ما يكشف الفارق بين ما تفعله أمريكا والصين في علاقاتهما الدولية.
في المحصلة، أن الولايات المتحدة، لم تفقد بعد مكانتها بوصفها القوة العسكرية الأكبر في العالم، لكنها فقدت أمراً أكثر أهمية، وهو اليقين العالمي بها، والتحول من الثقة إلى الشك، وهذا التحول هو اللحظة التي تدخل فيها القوى الإمبراطورية مرحلة جديدة من تاريخها، حيث لا تعود القوة كافية بحدّ ذاتها، وإنما تصبح هذه القوة مجال اختبار دائم، وليست حقيقة مسلّماً بها.
