الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

​الشرخ الأوروبي يتسع ويتهدد «الناتو»

29 مايو 2026 00:10 صباحًا | آخر تحديث: 29 مايو 00:10 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
السؤال الذي أخذ يتردد، ليس فقط في أوساط دوائر صنع القرار الأوروبي، بل وأيضاً على المستويات السياسية والشعبية منذ عهد الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول وحتى الآن عن: هل تستطيع أوروبا وحدها أن تؤمّن كل احتياجاتها الأمنية بعيداً عن الدعم الأمريكي، أو خارج إطار حلف شمال الأطلسي؟. فقد انقسم الأوروبيون في الإجابة عنه بين من يؤيد الانفصال الأمني الأوروبي عن الولايات المتحدة والمظلة الأمنية الأمريكية، وبين من يرفض دعوة التأسيس لـ «استراتيجية أمنية أوروبية مستقلة»، ولا يرى أي مستقبل أمني أوروبي مستقل عن المظلة الأمنية الأمريكية.
​هذا الانقسام أخذ يتراجع تدريجياً في ظل ما أخذ يدركه الأوروبيون من إهانات وإذلال من جانب أمريكا، وتهديدات بالانسحاب من حلف الأطلسي منذ الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، وأخذ يتفاقم في الولاية الثانية الحالية، وتصاعد إلى إصدار قرارات أمريكية بتخفيض الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، رداً على ما صدر من مواقف لدول أوروبية رفضت قبول الانخراط في الحرب على إيران، فقد وصف الرئيس ترامب حلف «الناتو» بأنه «نمر من ورق»، معتبراً أن مسألة خروج الولايات المتحدة من «معاهدة الدفاع المشترك» أصبحت الآن «أكثر من مجرد إعادة النظر»، أما وزير دفاعه بيت هيغسيث فقد اعتبر حلف الناتو أنه «ليس له قيمة حقيقية»، موضحاً أن ذلك يرجع إلى أن «الدول التي تضمه غير مستعدة للوقوف إلى جانبك عند الحاجة».
هذا التجريح الأمريكي تصاعد في الأسابيع الأخيرة، فقبل توجهه بوقت قصير إلى اجتماع لحلف الناتو في السويد، صرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن عضوية الولايات المتحدة في أي تحالف «يجب أن تكون ذات منفعة لها، وأن إحدى المنافع الأساسية من حلف الناتو تتمثل في القواعد العسكرية الأمريكية في أوروبا، إذ تتيح هذه القواعد للولايات المتحدة نشر قواتها العسكرية خلال أي أزمة في الشرق الأوسط أو في أماكن أخرى».
وقبل يومين من هذه التصريحات كانت وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) قد أعلنت خفض عدد ألوية القوات الأمريكية المنتشرة في أوروبا من أربعة إلى ثلاثة، في ظل ضغوط واشنطن المتواصلة على القارة الأوروبية لتعزيز دفاعاتها.
اللافت أن الانقلاب الأمريكي على أوروبا امتد أيضاً إلى كندا، خاصة في أعقاب مشاركة رئيس الوزراء الكندي في القمة الثامنة لـ «المجموعة السياسية الأوروبية» التي عقدت للمرة الأولى في العاصمة الأرمينية «بريفان» ، وهي المجموعة التي تضم كل الدول الأوروبية باستثناء روسيا وبلاروسيا، فقد قررت الولايات المتحدة تعليق تعاونها مع كندا في هيئة استشارية مشتركة تعنى بالشؤون الدفاعية، أُنشئت قبل 86 عاماً، هي «مجلس الدفاع المشترك الدائم»، في أحدث فصول التوتر الذي يسود العلاقات بين البلدين الجارين، منذ أن أعلن الرئيس ترامب عزمه على ضم كندا إلى الولايات المتحدة لتصبح الولاية رقم 51.
هذا التصعيد في التوتر تفاقم، خاصة بين الولايات المتحدة وأوروبا على نحو ما أشارت صحيفة «وول ستريت جورنال» بأن الدول الأوروبية «تعمل على خطة طوارئ لضمان ​حماية القارة بالقدرات الذاتية في حال انسحاب واشنطن من (الناتو)»، مشيرة إلى أن هذه الخطة «تكتسب زخماً متزايداً بعد حصولها على دعم ألمانيا»، وأن هذه الخطة الاحتياطية «تستهدف ضمان قدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها باستخدام الهياكل العسكرية المتاحة للناتو في حال قررت واشنطن سحب قواتها أو الامتناع عن تقديم المساعدة».
​الانخراط الألماني في هذه الخطة ودعمها يأتي في ذروة التصعيد في الخطاب الســياسي الألماني مع الولايات المتحدة، وعلى لسان مستشارها فريدريش ميرتس، وما ترتب عليه من أزمة دبلوماسية تجاوزت كثيراً «العلاقات الدافئة» بيــن ميرتس والرئيس الأمريكي، بعد أن صرح ميرتس بأن الإيرانيين «يذلون الولايات المتحدة في المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب»، وأن القيادة الإيرانية «تتلاعب بالولايات المتحدة وتجبر الأمريكيين على السفر إلى باكستان ثم المغادرة دون نتائج»، في توبيخ غير معتاد بشأن الصراع المتفجر مع إيران، الأمر الذي دفع بالرئيس الأمريكي إلى أن يصف المــــستشار الألماني بأنه «لا يفقه ما الذي يتحدث عنه».
​الشرخ أخذ يتسع أكثر بين أوروبا والولايات المتحدة منذ أن لوّح الرئيس الأمريكي ​بسحب أو خفض القوات الأمريكية من ألمانيا، ثم من إسبانيا وإيطاليا، رداً على مواقف أوروبية رافضة أو متحفظة على الحرب مع إيران، والسبب الأساسي في هذا «الشرخ» الآخذ في الاتساع هو تنامي إدراك أوروبي بأن هذا التهديد بسحب وتخفيض القوات الأمريكية في أوروبا «يُحَوِّل الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا من ركيزة ​​استراتيجية للردع إلى أداة ضغط سياسية،وإلى ورقة عقابية ضد حكومات ترفض الانصياع للرغبات الأمريكية».
​تنامي هذا الإدراك من شأنه أن يعمق الشرخ بين الطرفين ويُفَرِّغ مضمون «التحالف»، الذي يحكم علاقات دول الناتو، من مضامينه الحقيقية، ويدفع أوروبا أكثر نحو الانخراط في صيغة أمن أوروبي مستقل عن واشنطن.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة