تُحيّر العلاقة بين مصر والإمارات كثيرين. فالعالم مليء بالتحالفات التي تصنعها المصالح، والشراكات التي تفرضها الظروف، لكن القليل منها ينجح في أن يتحول إلى محبة مستقرة وراسخة في وجدان شعبين، ومن هنا تبدو التجربة المصرية - الإماراتية حالة عربية استثنائية تجاوزت حدود السياسة والاقتصاد، لتصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية والوجدان المشترك.
فما سر هذه المكانة الخاصة التي يحتلها كل بلد في وجدان الآخر؟ وما الذي جعل هذا التقارب يتجاوز حدود التعاون التقليدي ليتحول إلى نموذج نادر من الثقة والوفاء والتقدير المتبادل؟
وتبدأ الإجابة من رجل لم يكن قائداً لدولة فحسب، بل مؤسساً لرؤية عربية عميقة أدركت مكانة مصر ودورها في محيطها العربي، هو المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي نظر إلى مصر باعتبارها ركيزة أساسية في استقرار الأمة العربية وعمقها الحضاري.
كان يؤمن بأن قوة مصر درع للعرب جميعاً، وأن استقرارها ضرورة للحفاظ على أمن المنطقة بأسرها، ولهذا لم يكن دعمه لها رهين ظرف سياسي معين أو حسابات آنية، بل نابعاً من قناعة راسخة بمكانتها ودورها.
وفي عهد المغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، استمرت المسيرة التي أرساها الشيخ زايد، وتعززت جسور الثقة والتعاون بين البلدين في مختلف المجالات، لترسخ ما بُني عبر سنوات طويلة من الأخوة والاحترام المتبادل.
وحين تولى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، قيادة المسيرة، واصل النهج ذاته، مؤمناً بأن مصر تمثل أحد الثوابت الإستراتيجية في الرؤية الإماراتية. وقد لخص هذه القناعة حين وصف الشعب المصري عام 2013 بأنه «شعب عبقري»، وقال إن الإمارات «لو كانت تملك لقمة حاف لاقتسمتها مع مصر». وهي كلمات كشفت عن قناعة راسخة بأن ما يجمع البلدين أكبر من المصالح وأبقى من تقلبات السياسة.
ومن هذا المنطلق جاءت زيارته الأخيرة إلى القاهرة في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، بالتزامن مع تحولات متسارعة تشهدها المنطقة وقبيل انعقاد قمة مجموعة السبع الصناعية الكبرى، ولم تكن الزيارة مجرد مناسبة دبلوماسية اعتيادية، بل رسالة سياسية وإستراتيجية، رسالة تؤكد أن التنسيق المصري الإماراتي يظل من ركائز الاستقرار الإقليمي، وأن القاهرة وأبوظبي تجمعهما رؤية مشتركة تجاه قضايا المنطقة وتحدياتها.
أما صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، فقد عبّر مراراً عن تقديره للإنسان المصري ودوره في مسيرة التنمية العربية. وتجلى ذلك مؤخراً في إشادته بالمشاركة المصرية غير المسبوقة في تصفيات الدورة العاشرة من تحدي القراءة العربي، والتي شهدت مشاركة نحو 20 مليون طالب وطالبة، حيث وجّه تحية خاصة لمصر وشعبها وقيادتها، مؤكداً أن هذا الجيل يحمل راية الثقافة والعلم والمعرفة وينير بها دروب المستقبل. وفي هذه الكلمات تتجلى نظرة محمد بن راشد إلى مصر باعتبارها قوة معرفية وبشرية هائلة، لا تكتفي بصناعة المستقبل المصري، بل تسهم في تشكيل المستقبل العربي بأسره.
وفي الشارقة تتجسد صورة أخرى من صور هذا الارتباط الوجداني بمصر، من خلال صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الذي ارتبط بمصر ارتباط المؤرخ والمثقف والعاشق المتيم بحبها.
فلم يكتفِ سموه بدراسة تاريخها والكتابة عنه، ولا بدعم مؤسساتها الثقافية والعلمية فحسب، بل تجاوز ذلك إلى ارتباط وجداني نادر يصعب تفسيره بلغة السياسة أو الثقافة وحدهما، فمصر بالنسبة إليه ليست محطة دراسة أو ذكرى شباب فحسب، بل جزء من تكوينه الثقافي والوجداني، وحضور دائم في ذاكرته وتفاصيل حياته.
وقد عبّر سموه عن ذلك كثيراً، وأذكر حين تحدث عن لوحة للنيل المصري يحتفظ بها في البهو الداخلي بمنزله، يمر بها مرات عدة كل يوم، وكلما وقعت عيناه عليها حياها بعبارة: «سلام يا مصر». وحين قيل له إن النيل ربما لم يعد كما كان، جاء رده عفوياً وصادقاً: «أحبها بكل ما فيها».
لكن سر هذا التقارب الاستثنائي لا يكمن في القادة وحدهم، بل في الشعبين اللذين نجحا عبر عقود طويلة في تحويل الأخوة من شعار إلى واقع. فالإماراتي يرى في مصر تاريخاً وحضارة وثقافة وإنساناً أسهم في تشكيل الوعي العربي الحديث، بينما يرى المصري في الإمارات نموذجاً عربياً ناجحاً جمع بين الإنجاز والوفاء واحترام الإنسان.
وقد ظل اسم الإمارات حاضراً في الوجدان المصري مقروناً بالمواقف النبيلة، كما ظل المصريون جزءاً من مسيرة البناء والتنمية في الإمارات، بإسهاماتهم في التعليم والثقافة والإعلام والاقتصاد، حتى أصبح كل طرف جزءاً من قصة نجاح الآخر.
إن ما يجمع مصر والإمارات ليس مجرد تقارب سياسي أو تعاون اقتصادي، بل رصيد من الوفاء والثقة والاحترام المتبادل تراكم عبر العقود، حتى أصبحت الروابط بينهما امتداداً بين شعبين وتاريخين وذاكرة واحدة.
@mahraalmuhairi
