في هذا العصر، أصبحنا نستقبل في يوم واحد من المعلومات ما يعادل معلومات شهر أو عدة أشهر في حقب زمنية ماضية قد لا تتجاوز خمسة عقود. أخبار، وآراء، وإحصاءات، ونصائح، وتفسيرات لكل حدث.. إلخ، هذا الكم الهائل يصلنا من اتجاهات متعددة، وفي الغالب دون أن نطلبها. من هنا ظهرت الحاجة إلى التفكير النقدي، ليس بهدف رفض ما يقال، ولا تشكيكٍ مبالغٍ فيه في كل ما يُسمع، بل وقفة قبل القبول، توقفٌ يسأل فيه الإنسان نفسه أسئلة بسيطة: مَن قال هذا؟ وهل هو مؤهل؟ أو أياً كانت التساؤلات التي تناسب الموقف. هذه الأسئلة لا تأخذ وقتاً طويلاً حتى تتحول إلى عادة، لكنها تحمي الإنسان من تبني أفكار لم يفحصها، ومن تكوين قناعات لا أساس لها سوى أنها وصلت إليه من مصدر يثق به دون مراجعة.
ما يضعف التفكير النقدي عند البعض هو الاكتفاء بالمصادر التي تؤكد ما يفكرون فيه أصلاً. ولأن الإنسان بطبيعته يميل إلى ما يوافق رأيه، فيقرأ ممن يشبهونه في التفكير، ويستمع لمن يقولون ما يريد أن يسمعه. هذه الراحة لها ثمن، إذ يبني الإنسان مع الوقت قناعات صلبة لكن مصداقيتها هشة، صلبة لأنها لم تواجه نقاشاً، وهشة لأنها لم تُختبر فعلاً.
مَن يتدرب على التفكير النقدي يلاحظ مع الوقت تغيراً في طريقة استقباله للمعلومات، يقل تأثره بالعنوان البراق، ويزيد انتباهه إلى المصدر، ويقل اندفاعه إلى إعادة نشر ما أعجبه، ويزيد توقفه ليتأكد من صحته، ويصبح أقل عرضة للوقوع في فخ الأفكار التي يتم تغليفها بشكل جذاب لكنها تحمل في داخلها فراغاً أو خطأ. هذه الحماية الذاتية لا تأتي بالقراءة عن التفكير النقدي، بل بممارسته في تفاصيل اليوم.
ما يجعل هذه المهارة مهمة اليوم أكثر من أي وقت مضى هو أن مَن يصنعون المحتوى يعرفون كيف يخاطبون العواطف قبل العقل، ويعرفون كيف يجعلون الناس ينجذبون للعناوين المثيرة للاهتمام والأفكار الشائعة، والإنسان الذي لا يفحص ما يصله يصبح هدفاً سهلاً لهذا السيل الجارف من المعلومات غير المقننة. أما مَن يتمسك بعادة الفحص قبل القبول، فيبقى متحكماً بقناعاته فعلاً، وليس مجرد حامل لقناعات صنعها له غيره. وهذا هو الفرق بين مَن يفكر بنفسه ومَن يتشكل رأيه على أساسات ضعيفة، وهذه من أهم الفروق التي تحدد جودة أفكار الإنسان التي ستؤثر في كل جوانب حياته.
