لا يمكن النظر إلى الاعتداء الإيراني على مطار الكويت، ولا إلى الاعتداءات التي سبقته على البحرين والإمارات، باعتبارها حوادث منفصلة.. فمع دخول الحرب شهرها الرابع، بدأت قناعة خليجية تتشكل بأن دول الخليج أصبحت هدفاً مباشراً لمحاولات الانتقام الإيرانية، رغم أنها ليست طرفاً مباشراً في الصراع.
فمن استهداف محطة براكة للطاقة النووية إلى الاعتداءات المتكررة على البحرين ومنذ يومين مطار الكويت، كل هذه الهجمات وقعت خلال فترة الهدنة ووقف إطلاق النار، يتضح أن هذه الاعتداءات لا تستهدف تغيير موازين الحرب بقدر ما تستهدف فرض كلفة على دول الخليج وإشعارها بأنها ستدفع ثمن صراع لم تكن طرفاً فيه.
لكن الواقع أن النتيجة جاءت معاكسة لما أراده النظام الإيراني، فبدلاً من إرباك الخليج أو إضعافه، ساهمت هذه الاعتداءات في رفع مستوى الوعي بطبيعة التهديد، وعززت القناعة بأن الأمن الخليجي مسؤولية جماعية لا يمكن التعامل معها بمنطق الدولة المنفردة.. من الواضح أن النظام الإيراني حاول اختبار تماسك الخليج، لكنه ساهم عملياً في تعزيز هذا التماسك، وحاول إرسال رسائل قوة، لكنها دفعت دول المنطقة إلى مزيد من التنسيق وتوحيد الرؤية تجاه التحديات المشتركة.
ولعل أهم ما كشفته الأشهر الماضية أن الاعتداءات الإيرانية لم تعد تُقرأ خليجياً باعتبارها أحداثاً منفصلة أو رسائل موجهة إلى دولة بعينها، ومن هنا تبرز أهمية الدعوة التي أطلقها الدكتور أنور قرقاش إلى موقف خليجي صلب وموحد، لأن المرحلة لم تعد تحتمل مقاربات متفرقة أو ردود فعل منفردة، فالتجربة أثبتت أن أمن دول الخليج مترابط، وأن أي اعتداء على الكويت أو البحرين أو الإمارات أو السعودية أو قطر أو عُمان هو في جوهره اعتداء على الجميع، وكلما ازدادت وحدة الموقف الخليجي، تراجعت قدرة الآخرين على اختبار هذا التماسك أو الرهان على وجود ثغرات فيه.
ولعل ما يستحق التأمل أيضاً أن ردود الفعل الدولية على بعض هذه الاعتداءات لم تكن دائماً بمستوى خطورتها، كما تراها دول الخليج، فحين يُستهدف مطار مدني أو منشأة حيوية في المنطقة، قد ينظر إليه البعض باعتباره تفصيلاً ضمن صراع أكبر، بينما يراه الخليجيون تهديداً مباشراً لأمنهم واستقرارهم وحياة مجتمعاتهم، وهنا تتجدد حقيقة سياسية مهمة وهي أن لا أحد يمكن أن يكون أكثر حرصاً على أمن الخليج من دول الخليج نفسها، ولهذا فإن كل اعتداء جديد لا يعزز فقط الحاجة إلى التضامن الخليجي، بل يعزز أيضاً الحاجة إلى رؤية خليجية أكثر استقلالاً ووضوحاً في حماية المصالح والأمن والاستقرار.
وربما يكون التغيير الأهم الذي أفرزته هذه الحرب أن دول الخليج لم تعد تنظر إلى أمنها بالطريقة نفسها التي كانت تنظر بها قبل أشهر، فالتجربة أثبتت أن التهديد قد يأتي حتى عندما لا تكون طرفاً في الصراع، وأن حسابات القوى الكبرى ليست دائماً مطابقة لأولويات المنطقة، ولذلك فإن الوعي الخليجي الجديد لا يتعلق فقط بإدراك حجم الخطر الإيراني، بل أيضاً بإدراك أن حماية الاستقرار الإقليمي تتطلب رؤية خليجية أكثر استقلالاً وتنسيقاً وقدرة على التحرك المشترك.
واللافت أن الأشهر الماضية كشفت أيضاً عن حقيقة أخرى لا تقل أهمية، فعلى الرغم من التهديدات والهجمات المتواصلة، واصلت دول الخليج عملها، واستمرت مؤسساتها واقتصاداتها ومجتمعاتها في أداء أدوارها بثقة واستقرار، وفي المقابل، أظهرت تطورات الحرب أن التصعيد وحده لا يصنع نفوذاً، وأن القدرة على الصمود والاستمرار تبقى المعيار الحقيقي للقوة.
لقد راهن البعض على أن تؤدي هذه الحرب إلى إرباك الخليج، لكن ما حدث كان العكس تماماً، ولهذا فإن الرسالة التي تخرج من الخليج اليوم واضحة، وهي أن الوقوف مع الكويت هو وقوف مع الخليج كله، والوقوف مع البحرين هو دفاع عن الأمن الجماعي للمنطقة، أما الرهان الإيراني على ترهيب دول الخليج أو تفكيك مواقفها أو التعامل معها كملفات منفصلة، فقد أثبتت الأشهر الماضية أنه رهان خاسر.
وربما تكون هذه هي النتيجة الأهم التي لم تكن في حسابات طهران، فالهجوم على مطار الكويت لم يُنتج خوفاً خليجياً جديداً، بل أنتج وعياً خليجياً جديداً، وعياً يرى أمن الخليج قضية واحدة، ومصيره واحد، وتحدياته واحدة، وهذا الوعي، أكثر من أي صاروخ أو تهديد، يكون الإرث الحقيقي لهذه المرحلة.
@MEalhammadi
كاتب صحفي
