الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

متى يصبح الخطاب سلطة؟

21 يوليو 2026 00:06 صباحًا | آخر تحديث: 21 يوليو 00:06 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
يعود لفظ «الخطاب» في معناه المعجمي إلى الجذر الثلاثي (خ ط ب)، وهو جذر يدل في اللغة العربية على المراجعة في الكلام والمخاطبة بين طرفين. يقال: خاطَبَهُ يُخاطِبُهُ خِطاباً ومُخاطَبَةً، أي كلَّمه ووجَّه إليه القول. والخطاب هو الكلام الموجَّه إلى الغير بقصد الإفهام أو التأثير، وهو يقتضي وجود مُخاطِب ومُخاطَب، وعلاقة تواصل بينهما.
ومن هذا المعنى اللغوي الأولي يتسع مفهوم الخطاب ليشمل كل ما يُوجَّه إلى الإنسان من قول أو رمز أو صورة بقصد التأثير في وعيه. فسُمِّي الخطاب خطاباً لأنه يخاطب الناس، غير أن الخطاب لا يقتصر على القول المباشر، فاللوحة خطاب، والأغنية خطاب، والمسرحية خطاب، والسينما خطاب، والمسلسل التلفزيوني خطاب، والنصوص الشعرية والروائية والفلسفية والفكرية خطابات، بل إن الإعلان التجاري، والصورة الصحفية، والرمز، والعمارة، كلها خطابات. فالخطاب هو كل بناء رمزي يتوجه إلى الإنسان بقصد إنتاج المعنى والتأثير في وعيه.
سأتناول الخطاب بالمعنى الرشدي للكلمة، وكيف يتعيَّن في أثره، أي بوصفه سلطة. ويمكن أن نجد عند ابن رشد إرهاصاً مبكراً لفكرة سلطة المعرفة من خلال تمييزه بين أنواع الخطاب وطرائق تأثيرها في المخاطبين، وهي الفكرة التي ستتخذ أبعاداً جديدة عند أنطون سعادة ثم تبلغ ذروتها النظرية عند ميشيل فوكو في تحليله لعلاقة المعرفة بالسلطة.
ولقد ميَّز ابن رشد، في عصره، بين ثلاثة أنواع من الخطاب بحسب طرائق الإقناع وطبائع المخاطبين: الخطاب البرهاني، الذي يقوم على الدليل العقلي ويخاطب أهل البرهان، والخطاب الجدلي، الذي يعتمد المحاججة والمشهورات لإقناع المتناظرين، والخطاب الخطابي، الذي يقوم على البلاغة والتمثيل والصور المؤثرة، ويتوجه إلى عامة الناس.
إن الخطابات، على اختلاف أنواعها، لا تتوجه إلى الآخرين عبثاً، وإنما تقصد تشكيل الوعي، سواء كان وعياً جمالياً، أو سياسياً، أو دينياً، أو أيديولوجياً، أو ثقافياً. وبعض الخطابات، لا سيما السياسية والأيديولوجية والإعلانية، لا تكتفي بتشكيل الوعي، بل تسعى إلى توجيه السلوك وحمل الناس على الفعل وفق الرسالة التي تتضمنها.
وهنا يتحول الخطاب إلى سلطة، لأن الوعي الذي يصنعه الخطاب هو الذي يصوغ المواقف، ويحدد أنماط السلوك، ويرسم صورة الآخر في أذهان الناس. فالإنسان لا يتصرف عادة وفق الوقائع كما هي، بل وفق الصورة التي كوَّنها عنها الخطاب.
غير أن الخطاب لا يصبح سلطة لمجرد كونه خطاباً، بل يصبح سلطة حين يخلق الاعتراف به لدى المخاطَب، بل حين يصبح سلوك المخاطَب تعيُّناً عملياً لذلك الخطاب.
فالخطاب العلمي خطاب برهاني، يقوم على البرهان الاختباري والاستدلالي معاً، ويحوز الاعتراف من دون أن يقضي على الخطابات غير العلمية. وهنا علينا أن نميز بين المعرفة العلمية من جهة، والوعي العلمي من جهة ثانية. فالخطاب العلمي ينتمي إلى تلك السلطة التي أثمرت الطب والتقنية بكل أنواعها، لكنه لم يقضِ على الوعي غير العلمي، فما زال لخطاب التنجيم سلطة واسعة على الناس، وما زالت الخرافات تسكن عقول كثيرين. وآية ذلك أن العلم لم يتحول بعد إلى وعي بالعالم. فهناك فرق بين العلم والوعي العلمي. وقِسْ على ذلك الخطاب البرهاني الفلسفي، فسلطته، هو الآخر، سلطة محدودة، وهذا ما حمل ابن رشد على قصره على خاصة الخاصة.
أما الخطاب الجدلي، فإنه ينطبق، في عصرنا، أكثر ما ينطبق على الخطاب الأيديولوجي، الذي يطرح الشعارات الأثيرة لدى الناس بلغة تؤجج العواطف، وتنطوي على سلطة قادرة على التأثير إلى درجة تحمل معتنقيها على الموت من أجلها. صحيح أن ابن رشد تحدث عن سلطة هذا الخطاب في الخاصة، لكن الخطاب الأيديولوجي يتحول، بما ينطوي عليه من أهداف، إلى سلطة واسعة تشمل الخاصة والعامة معاً.
وهنا تقوم القرابة بين الخطاب الجدلي الأيديولوجي والخطاب الخطابي الذي يتوجه إلى العامة. فالخطاب الخطابي، الذي كان يكاد يقتصر عند ابن رشد على الخطاب اللاهوتي، يتحول اليوم إلى خطاب تعصب قومي، أو ديني، أو طائفي، وهو أشد أنواع الخطابات تأثيراً. والسبب أن سلطة هذا الخطاب تستمد قوتها من بنى وانتماءات سابقة على الخطاب نفسه. بل يمكن القول إن الوعي السابق على الخطاب هو أحد أهم مصادر سلطته، فإذا كان الخطاب البرهاني ينتج وعياً ويمارس سلطة محدودة، فإن الخطاب الخطابي يتكئ على وعي مسبق لدى العامة، ويوقظ الوعي الكامن إلى درجة قد يحوله إلى وعي عنيف.
والمتتبع لوسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي يجد أن جميع هذه الخطابات حاضرة، وإن بدرجات متفاوتة من السلطة والتأثير. بل إننا نشهد، للمرة الأولى في التاريخ، انتقال الخطاب الخطابي إلى فضاء يمتلك جميع منجزات الثورة التكنو-إلكترونية، الأمر الذي يضاعف قدرته على تعميم أنماط الوعي التي ينتجها.
ويبقى السؤال الأبرز في هذا المجال:
كيف نحمي الوعي الشعبي من أخطار سلطة الخطاب الخطابي، ولا سيما إذا تحول إلى أيديولوجيات عنفية؟
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة