أن يتخلى نائب رئيس الولايات المتحدة عن الظهور أمام شعار البيت الأبيض، أو عن شاشة إحدى القنوات الأمريكية الكبرى، أو عن حوار مع صحيفة صنعت تاريخ الصحافة السياسية، فذلك ليس خروجاً عن المألوف، بل إعلان بأن المألوف نفسه قد تغير. هكذا اختار جي دي فانس أن يتحدث، لا من منبر السلطة، بل من استوديو «The Joe Rogan Experience»، «البودكاست» الأكثر تأثيراً في الولايات المتحدة، والذي يتابع حلقاته عشرات الملايين.
بدا فانس وكأنه يعلن أن «البودكاست» أصبح منصة بناء الأفكار، لا مجرد وسيلة لنقل الأخبار.
ولم يكن طول المقابلة هو ما منحها قيمتها، بل طبيعة الأسئلة التي سمحت لنائب الرئيس أن يغادر لغة التصريحات إلى بناء أطروحة كاملة عن أمريكا، فقد تنقل فانس بين الهجرة، والذكاء الاصطناعي، والصناعة الأمريكية، وإيران، وإسرائيل، وجيفري إبستين. للوهلة الأولى، بدت هذه القضايا متباعدة، حتى بدا الحوار وكأنه ينتقل من أزمة إلى أخرى من دون رابط واضح. في الهجرة، لم يتحدث بوصفها أزمة حدود، بل أزمة هوية وسوق عمل. وفي الذكاء الاصطناعي، لم يبدِ خوفاً من التكنولوجيا ذاتها، بل من أن تتحول إلى أداة تستبدل الأمريكي، وتُضعف الطبقة الوسطى. لم يكن خطابه موجهاً إلى وادي السيليكون، بل إلى العامل في أوهايو، وسائق الشاحنات في بنسلفانيا.
أما حديثه عن إيران، فقد بدا للوهلة الأولى مختلفاً عن خطاب ترامب الأكثر صرامة، غير أن القراءة المتأنية تكشف أن الاختلاف كان في الأسلوب، لا في الاستراتيجية، فمنذ أيام هنري كيسنجر، تقوم الدبلوماسية الأمريكية على معادلة بسيطة: لا تنجح المفاوضات إلا إذا آمن الخصم بأن القوة حاضرة خلفها. وفي هذا السياق، يبدو ترامب هو «العصا» التي ترفع كلفة المواجهة، بينما يؤدي فانس دور «الجزرة» التي تُبقي باب التسوية مفتوحاً. أحدهما يرفع سقف الردع، والآخر يشرح حدود الحرب وكلفتها، فالردع لا ينجح بلا أفق سياسي، كما أن الدبلوماسية لا تعيش من دون قوة تساندها. إنها ليست روايتين متناقضتين، بل صوتان يخدمان لحناً واحداً.
أما في الملف الإسرائيلي، فقد لامس فانس واحدة من أكثر المُسَلَّمات رسوخاً في السياسة الأمريكية، فالتحالف لم يعد يُقدم بوصفه قيمة بديهية، بل بوصفه علاقة ينبغي أن تُقاس، كغيرها، بميزان المصلحة الأمريكية.
لم يكن هذا انقلاباً على إسرائيل، ولا تراجعاً عن التحالف، لكنه كان اعترافاً ضمنياً بأن الناخب الأمريكي لم يعد ينظر إلى هذا الملف بالعين نفسها، فالذي يدفع الضرائب، يريد أن يعرف أين تنتهي حدود الالتزام، ومن يدفع فاتورته؟ وهنا قال فانس ما قد لا يستطيع ترامب قوله بالأسلوب ذاته، من دون أن يعني ذلك أن الرجلين يسيران في اتجاهين مختلفين.
لكن القضية الأكثر حساسية بقيت جيفري إبستين، فبالنسبة إلى كثير من الأمريكيين، لم تعد القضية فضيحة جنائية، بل تحولت إلى جرح أصاب ثقة الأمريكي بمؤسساته ونخبه، وبقدرة منظومة العدالة على أن تكون واحدة للجميع. وما فعله فانس لم يكن إعادة فتح الملف بقدر ما كان إعادة توجيه دلالته، فقد حاول أن يربط الغموض الذي أحاط بالقضية، بمنظومة أوسع من النفوذ، مقدماً تفسيراً سياسياً لأزمة الثقة التي يعيشها المجتمع الأمريكي. وسواء اتفق المرء مع هذا الطرح أم اختلف، فإن أهميته لا تكمن في تفاصيله، بل في الوظيفة التي يؤديها داخل السردية السياسية التي يبنيها.
وهنا تكمن الفكرة التي ربما غابت وسط الضجيج. لم يكن جي دي فانس يقدم آراء متفرقة عن إيران، أو إسرائيل، أو إبستين، أو الإعلام، أو الهجرة، أو الذكاء الاصطناعي. لقد كان يجمع هذه الملفات جميعاً تحت مظلة واحدة، ويقدم للأمريكيين خصماً واحداً يفسر تشابك الأزمات: «الدولة العميقة»، فإيران لم تعد مجرد سياسة خارجية، وإسرائيل لم تعد مجرد تحالف، وإبستين لم يعد مجرد قضية جنائية، والإعلام لم يعد مجرد ناقل للأخبار، بل أصبحت كلها، في رواية فانس، تجليات لبنية واحدة يرى أنها أبعدت الدولة عن المجتمع، والمؤسسات عن المواطن، والقرار عن الإرادة الشعبية. وإذا كان ترامب قد نجح في إقناع الأمريكيين بأن ثمة خصماً داخل واشنطن، فإن جي دي فانس يحاول اليوم أن يمنح هذا الخصم اسماً، وسيرةً، وتفسيراً لكل أزمة تعيشها الولايات المتحدة، وأن يحول الترامبية من زعامة انتخابية إلى أيديولوجيا سياسية.
ربما لن يتذكر التاريخ بعد سنوات كل عبارة قالها فانس في استوديو جو روغان، لكنه قد يعي بعدها أن السياسات قد تغيّر الحكومات، لكن السرديات تغير الأمم. وربما لم يكن جي دي فانس يشرح ما تفعله إدارة ترامب، بقدر ما كان يكتب القصة التي ستبرر ما ستفعله أمريكا في السنوات المقبلة.
