الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

من درابك

6 يونيو 2026 01:05 صباحًا | آخر تحديث: 6 يونيو 01:07 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
هناك كلمة شعبية نرددها وهي «من درابك»، وتحمل معاني مختلفة بحسب السياق الذي قيلت فيه، أما في مقالتي هذه فأقصد بها أولئك الأشخاص الذين يعيشون من أجل الآخرين، واختاروا طريقاً ليس لأنهم يريدونه، بل لأنهم يريدون أن يراهم الناس بصورة معينة، فكم من شخص استمر في عمل لا يحبه، أو تحمل ضغوطاً فوق طاقته، ليحافظ على صورة رسمها الآخرون عنه.
مسؤول في عمله يضغط على نفسه وعلى موظفيه، وساعات دوام إضافية، ليظهر أمام الإدارة بانه الأكثر اجتهاداً وانشغالاً، فأقول له من درابك.
ومشهور على «السوشيال ميديا» يحرق وقته وطاقته بين «البثوث» والفيديوهات والسفر، ليبقى حاضراً في المشهد، فأقول له من درابك.
ومتقاعد يوزع وقته بين الجمعيات والاجتماعات، ليس لأنه يجد فيها معنى حقيقياً، بل لأنه يخشى أن يختفي، فأقول له من درابك.
وهناك من يستدين أو يرهق نفسه مالياً ليشتري ما لا يحتاج، أو ليقيم مناسبة فوق طاقته، ليحافظ على صورة معينة أمام الناس، فأقول له من درابك.
المشكلة ليست في الطموح ولا في النجاح، فهذه أمور مطلوبة، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الإنسان أسير الصورة التي صنعها لنفسه، هنا يبدأ الانشغال بالانطباع أكثر من الحقيقة.
فبعض الناس ينجحون في بناء صورة لامعة أمام الآخرين، لكنهم يدفعون مقابل ذلك أثماناً لا تظهر للناس، هناك من بنى حضوراً قوياً أمام الجمهور، لكنه خسر حضوره داخل منزله، وهناك من أصبح معروفاً لدى آلاف الناس بينما أصبح غريباً عن أقرب الناس إليه، وهناك من اهتم بتفاصيل صورته الخارجية إلى درجة أنه أهمل علاقاته الأسرية وسلامه النفسي.
ولهذا نرى أشخاصاً يملكون كل ما كانوا يحلمون به يوماً ما، ولا يشعرون بالراحة، فقد حصلوا على الإعجاب لكنهم خسروا الطمأنينة.
ليس المقصود من هذا الكلام التقليل من قيمة النجاح أو المكانة، لكن قيمتها تتراجع عندما يكون ثمنها راحة الإنسان أو أسرته أو سلامه النفسي، فالنجاح لا يقاس فقط بما يراه الناس، بل بما يشعر به الإنسان عندما يغيب الناس.
لا تكمن الحكمة في أن نهمل صورتنا أمام المجتمع، بل في إلا نجعلها تتحكم في مصائرنا، فالناس قد يعجبون بالصورة التي نصنعها، لكننا نحن من نعيش نتائجها كل يوم، ولذلك يبقى السؤال، هل نبني حياة نريد أن نعيشها، أم نبني صورة نريد للناس أن يروها؟ لأن الفرق بين السؤالين قد يختصر سنوات طويلة من التعب، وربما يختصر عمراً كاملاً قضاه بعض الناس يطاردون صورة أرادها الآخرون لهم لا حياة اختاروها لأنفسهم... وفي النهاية، من درابهم؟
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة