قبل أيام، كنت أجلس مع بعض الأصدقاء، فتحدث أحدهم عن مقالتي السابقة التي كانت بعنوان «منتصف العام» ثم قال هل تعرف أن الإنسان لا يحتاج فقط إلى تقييم في منتصف العام، بل يحتاج أيضاً إلى تقييم عندما يصل إلى منتصف العمر، ابتسمت وسألته وكيف ذلك؟
قال في الخمسين تكون أشياء كثيرة في الحياة قد اكتملت، أو شارفت على الاكتمال، الأبناء كبروا، والعمل الذي استغرق أجمل سنوات العمر أصبح مستقراً، أو أن التقاعد بات قريباً، والزواج الذي بدأ بحلم شابين مضى عليه عشرون أو خمسة وعشرون عاما، أليست هذه مرحلة تستحق أن يتوقف الإنسان ويعيد النظر في حياته؟
غادرت المجلس، لكن حديثه بقي يرافقني وسؤال يراودني، لماذا اعتدنا أن نراجع خططنا كل عام، ولا نراجع حياتنا عندما نصل إلى مرحلة هي الأكثر نضجاً؟
الخمسون ليست رقماً يخيف الإنسان، بل تدعوه إلى الصراحة مع نفسه، ففي هذه المرحلة لا يعود السؤال ماذا أريد أن أصبح؟ بل هل أنا راضٍ عن الإنسان الذي أصبحت عليه؟
العلاقة مع الزوجة ربما تكون أول ما يستحق أن ينظر إليه الإنسان بعين مختلفة، فبعد عشرين أو خمسة وعشرين عاماً، لم تعد الحياة الزوجية تقاس ببداياتها، بل بما بقي فيها من مودة ورحمة ورفقة صادقة، ثم يلتفت إلى أبنائه، ليكتشف أن دوره لم يعد أن يمسك بأيديهم، بل أن يبقى السند الذي يلجؤون إليه كلما ضاقت بهم الحياة.
ثم يأتـــي السؤال الأصعب هل ما زالت حياتي تسير في الاتجاه الذي أريـــده، أم أنني أكملــــت الطــــريق لأننـــي اعتدت السير فيه؟
بعض الناس يكتشف في منتصف العمر أنه يعيش لإرضاء الجميع إلا نفسه، وآخرون يكتشفون أنهم أجّلوا أحلامهم حتى كادت الأعمار تسبقها، المراجعة لا تعني هدم الحياة، بل إزالة ما لم يعد مناسباً، والتمسك بما يمنحها معناها.
أؤمن أن منتصف العمر ليس أزمة، بل نعمة، ففيه تجتمع خبرة الماضي مع فرصة المستقبل، ويعرف الإنسان أخيراً ما الذي يستحق أن يعيش من أجله.
إذا كنا نراجع أهدافنا في منتصف كل عام، فلنجعل منتصف العمر موعداً لمراجعة حياتنا، مراجعة صادقة نحتفظ فيها بكل ما منحنا السلام، ونترك كل ما استنزف أعمارنا دون أن يضيف إليها معنى، فربما يكون أجمل ما في الخمسين أنها لا تمنح الإنسان عمراً جديداً، لكنها تمنحه فرصة ليعيش ما بقي من عمره بحكمة أكبر.
