الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

العرب والنظام الدولي.. غياب أم عجز بنيوي؟

7 يونيو 2026 00:06 صباحًا | آخر تحديث: 7 يونيو 00:07 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
يشهد العالم في اللحظة الراهنة تحولات عميقة تعيد تشكيل بنية النظام الدولي الذي استقر نسبياً منذ نهاية الحرب الباردة. فالتوازنات القديمة لم تعد قائمة، والهيمنة الغربية لم تعد مطلقة كما كانت، فيما تتقدم قوى دولية جديدة لتفرض حضورها في معادلات القوة والنفوذ. من الحرب في أوكرانيا إلى التوترات في الشرق الأوسط، ومن الأزمات الاقتصادية العالمية إلى تصاعد النزعات القومية، يبدو العالم وكأنه يدخل مرحلة سيولة استراتيجية مفتوحة على احتمالات متعددة، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح في خضم هذه التحولات هو: أين يقف العرب من كل ذلك؟
نظراً إلى الواقع العربي المعقد، وإلى ما شهده من تحولات عميقة منذ الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003، ولاحقاً تفتّت عدد من الدول العربية بفعل ما سمي «الربيع العربي»، يبدو من الصعب مفاهيمياً الحديث عن العرب بصيغة الجمع، لكن أيضاً يصعب الاستغناء كلياً عن هذه الصيغة، خصوصاً أن الفاعلين الدوليين الكبار ينظرون إلى العرب بصيغة الجماعة القومية/ الجغرافية، وضمناً باعتبارهم منظومة ثقافية، فيها مشتركات لا تزال قائمة، وعلى الرغم من هذه الحالة اللايقينية للمفهوم، إلا أنه لا يمكن القول إن العرب اليوم خارج النظام الدولي، فهم منخرطون في مؤسساته، ومتفاعلون مع دينامياته السياسية والاقتصادية، لكن هناك تراجع كبير في صورة العالم العربي، في ظل عدم وجود تصور واضح لكيفية التأثير في صياغة قواعد هذا النظام، بل ووجود تناقضات عربية-عربية، تجعل التفاعل مع النظام الدولي يسير في اتجاهات متباينة.
منذ مطلع الألفية، كان هناك استسهال دولي مستمر واستهانة في شكل تعاطي القوى الفاعلة دولياً وإقليمياً في العالم العربي، حيث أسهمت قوى عالمية وإقليمية في تحويل العالم العربي إلى أكبر ساحة صراع دولية، نظراً لما يتمتع به من موقع جغرافي حيوي، وغنى بالموارد، بالإضافة إلى ما يتمتع به من ضعف، يجعله قابلاً للاختراق والتوظيف، وبدل أن تترجم الميزات الجيوسياسية والموارد الغنية إلى عامل قوة وفاعلية، تحوّلت في المجمل إلى النقيض، أي إلى سبب رئيسي في إعادة الصراع العالمي إلى المنطقة، ودفعها مرة أخرى، لتكون تحت هيمنة القوى الخارجية.
هذه الحالة، التي ظهرت بحدة في الأعوام الأخيرة، لها جملة من الأسباب البنيوية العميقة، ربما في طليعتها غياب التوافق على تصور محدد لمنظومة الأمن والاستقرار، وهو تصور كانت ملامحه موجودة بقوة في مبادرة السلام العربية، التي قدمتها السعودية في القمة العربية في بيروت عام 2002، وقد كانت فرصة مهمة لهندسة مصالح الدول العربية والإقليمية، لكن هذا التصور الذي شُتت بدفع من قوى عديدة، في مقدمتها إسرائيل، يدفع الجميع اليوم ثمن هدمه، بما في ذلك إسرائيل نفسها.
في الشقّ السياسي العام، انكفأت معظم الدول الوطنية في العالم العربي إلى قضاياها الداخلية، وبغض النظر عن المبررات، التي قد تكون مفهومة في بعض الأحيان، خصوصاً فيما يتعلق بالاستقرار والتنمية، إلا أن هذا الميل، لم يتكافأ من حيث النتيجة، مع حالة الضعف العامة التي أصابت العالم العربي، في الوقت الذي شهدت فيه مؤشرات التنمية في عدد من البلدان تراجعاً كبيراً، خصوصاً مع تراجع التبادل التجاري البيني بين الدول العربية، على وقع الحروب والاضطرابات التي امتدت لسنوات طويلة في عدد من البلدان العربية.
في الجانب الاقتصادي، لم تستغل عوامل القوة الموجودة لبناء كتلة اقتصادية، تكون رافعة للتأثير السياسي في النظام الدولي، وبقيت المعادلة التي تحكم العلاقة بين الموارد والتأثير ناقصة، في الوقت الذي مضت فيه دول الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال لا الحصر، إلى تحويل القرار السياسي إلى قيمة اقتصادية، مضافة إلى العوامل الاقتصادية القائمة.
وفي الجانب الفكري، ثمة أكثر من معضلة، ربما أهمها وجود عدم تكافؤ بين ضرورتين لا تنفي إحداهما الأخرى، أي الاستقلال والانخراط، خصوصاً عندما تتحول الأولى إلى انعزال، وتفتقد الثانية الدور المطلوب على المدى البعيد، ويضاف إلى هذه المعضلة واحدة أخرى، لا تقلّ أهمية، وهي وجود طابع مزدوج في العلاقة مع النظام الدولي، فمن جهة، هناك خطاب نقدي واسع يندّد بازدواجية المعايير الدولية وغياب العدالة، ومن جهة أخرى، هناك اعتماد فعلي على هذا النظام في مجالات الأمن والاقتصاد والسياسة.
في المحصلة، لا يبدو موقع العرب في النظام الدولي قابلاً للاختزال في ثنائية الغياب أو الحضور، بقدر ما يعكس حالة مركّبة من حضورٍ واسع في الجغرافيا السياسية، مقابل فاعلية محدودة في التأثير على قواعد هذا النظام واتجاهاته، ومع أن التحولات الجارية في بنية النظام الدولي تفتح -موضوعياً- بعض الهوامش لإعادة التموضع وإعادة تعريف الأدوار، فإن الاستفادة من هذه اللحظة تبقى مرهونة بقدرة الدول العربية على تطوير أشكال أعلى من التنسيق، وتجاوز منطق الانكفاء، وبناء حد أدنى من الرؤية المشتركة للمصالح والتحديات.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة