أمام الكم الهائل من المعلومات التي تصل إلينا من مختلف أرجاء العالم، وتزاحم أفكارنا، واحتلالها مكاناً واسعاً من الذاكرة والاهتمام، خاصة وهي تحمل زخماً لا ينتهي من النصوص والصور والأشكال والمقاطع والملفات، وغيرها، تظهر الحاجة للمحافظة على وضوح الذهن، وصفاء التفكير، وسلامة العقل، والتركيز، وتحديد الأولويات، والأهداف. وهذه هي الحاجة الملحة في هذا العصر، وهي التي تصنع الفارق بين من يجهد الذهن في ملاحقة هذا السيل المعلوماتي، ومن يركز على ما يحتاج إليه، وعلى كل ما يدفع به نحو الأمام.
ولتحقيق غاية ضبط هذه المعلومات وإدارتها، للاستفادة منها ولتكون عاملَ بناءٍ معرفي وثقافي قويٍ للشخصية، وتكون داعماً خلال مسيرتنا المستقبلية، وأيضاً سلاحاً عند مواجهة التحديات والصعوبات، فإننا نحتاج لتعلم مهارة التفكير النقدي، ولا يقصد به رفض ما يقال، ولا التشكيك بكل ما نسمعه، بل هو بمثابة وقفة للتأمل والتفكير قبل قبول هذه المعلومة أو تلك، توقفٌ للسؤال عن المصدر، ومن تبناها، ومن نشرها، وهل هو مؤهل؟ ونحوها من التساؤلات التي قد تكون الإجابة عنها مفيدة وتعطي صورة واضحة.
عملية التوقف للتساؤل هي بمثابة محطة للفرز والتدقيق. البعض قد يرى أن مثل هذه العملية تستنزف الوقت والجهد، والحقيقة أنها بعد التعود عليها وممارستها بشكل عملي تتحول إلى ممارسة عفوية وعادية، لكنها تفيد في انتقاء المعلومات الأكثر فائدة لك، وأخذ الأكثر جودة ودقة، وهو ما يعني تحقيق استفادة قصوى مما يرد عليك.
لكن ممارسة التفكير النقدي على أرض الواقع تتطلب تنبهاً، ويقظةً، ومعرفةً، فهي عملية ليس هدفها الرفض، بل الفرز والانتقاء والانتخاب للأفضل، وبالتالي فثمة معلومات قد تمر بك حقيقية لكنها لا تفيدك ولا تصب في مجال اهتماماتك الوظيفية أو الاجتماعية أو الثقافية أو نحوها من المجالات فتقوم بتجاهلها، وهناك معلومات ترفضها لأنها خاطئة، ولأنك اكتشفت سطحيتها وهامشيتها، وفي كلتا الحالتين أنت لم تقبل إلا ما يتواكب مع حاجتك ومتطلباتك، وهذا هو الهدف.
من يتدرب على التفكير النقدي يلاحظ مع الوقت تغيراً في طريقة استقباله المعلومات، ومعها يقل تأثره بالعناوين البراقة، ويزيد انتباهه إلى المصدر، ويصبح أقل عرضة للوقوع في فخ الأفكار الهامشية التي تستهلك العقل دون فائدة. التفكير النقدي يجعل لأفكارك أصالةً، ويجعل عقلك متعوداً على الصفاء، ولا يتعامل إلا مع ما يفيدك، وما يغذي حياتك بالمعلومات الصحيحة التي تستخدمها في مسيرتك بمهارة وتمكّن. المعلومات سلاح والمعرفة قوة، لذا أحسن اختيار معلوماتك، وتغَذَّ بالمعرفة التي تقويك وتفيدك.
