تعد الفنانة وفاء المطوع واحدة من أبرز التشكيليات في المشهد الفني الإماراتي المعاصر؛ إذ تمتاز بهوية بصرية واضحة تنتمي بشكل أساسي إلى المدرسة الواقعية مع دمجها برؤية معاصرة. تعتمد المطوع في أعمالها المختلفة على الملاحظة الدقيقة وقوة الالتقاط، وترى أن الأسلوب الواقعي يعكس شخصيتها الصريحة والواضحة، ويسهم في تقريب المتلقي من تفاصيل الحياة اليومية.
من أبرز السمات الإبداعية المرتبطة بهذه الممارسة الفنية الاعتماد على الألوان الزيتية كخامة أساسية في معظم لوحاتها؛ وذلك لما تمنحه من عمق وطواعية وثراء في تجسيد تفاصيل الظل والضوء على القماش، وكذلك الدمج بين الأصالة والتراث والحداثة. وهي تستلهم موضوعاتها من البيئة المحلية الإماراتية والخليجية، ولا تقف الفنانة عند حدود المحاكاة التقليدية للتراث، بل تقدمه بمنظور معاصر يواكب تطور الحركة التشكيلية الحديثة.
وفاء المطوع
ومن أعمال وفاء التي تتجلى فيها مقدراتها الإبداعية في التعبير عن الواقع بصورة حديثة، تلك اللوحة التي تبرز فيها «المخرافة»، وهي السلة المصنوعة يدوياً من «سفيف خوص النخيل»، وتمتلئ هذه السلة في اللوحة بالتمر أو «الرطب»، وهي من ثمار النخيل الذي يعد أحد أبرز النباتات الصحراوية العربية، وفي هذه اللوحة تتجلى ملامح أسلوبية المطوع التي تمزج بين الأصالة والمعاصرة، فاللوحة تعبر عن الهوية الإماراتية والخليجية من خلال تصوير «الرطب»، الذي يعد رمزاً للكرم وحسن الضيافة.
ممارسات إبداعية
تحتشد اللوحة بالجماليات، والممارسات الإبداعية، واللمسات الراقية؛ فلئن تفننت وفاء المطوع في إبراز عمق المشهد، فقد برعت كذلك في الاشتغال على الخلفية والأرضية بأسلوب ينتمي إلى المدرسة الواقعية، مع توظيفٍ للتجريد بهدف إبراز العناصر الأساسية في عملها «سلة التمر». وقد رسمت الفنانة الأرضية لتشبه ألواحاً خشبية قديمة وخشنة؛ إذ تظهر الخطوط الطولية والشقوق الداكنة في الخشب بشكل واضح، مما يضفي طابعاً ريفياً وتراثياً حميماً على المشهد. ولعل الاشتغال الأبرز كان على تقنيتي الظل والضوء؛ إذ وظفت وفاء المطوع الألوان الزيتية ببراعة لرسم الظلال الساقطة لحبات التمر المتناثرة على الخشب، مما منح الأرضية عمقاً فراغياً، وجعل الرطب يبدو مجسماً وثلاثي الأبعاد لا مسطحاً.
ويضاف إلى تلك الممارسات الإبداعية، ذلك الاشتغال البديع على الخلفية بأسلوب تجريدي ضبابي؛ بهدف عزلها لتوجه عين الناظر مباشرة نحو المشهد الرئيسي في عمق اللوحة، والمتمثل في السلة والرطب المتساقط، الأمر الذي منح العمل صدقاً بصرياً، وتجربة مشاهدة عميقة تجلب الراحة للنفس.
تتبع الفنانة وفاء في هذه اللوحة فلسفة لونية مدروسة تعزز روح التراث الإماراتي، وتخلق عمقاً بصرياً جذاباً من خلال تناغم لوني مشتغل عليه بذكاء؛ إذ اعتمدت على تباين دافئ يجمع بين درجات الأحمر الداكن «الكرزي» والبنفسجي للتمر والسلة، مقابل درجات البني والبيج والترابي للأرضية والخلفية. وفي حين احتلت الألوان الترابية والدافئة المساحة الأكبر من اللوحة، منح ذلك المشهد صبغة حميمية ترتبط بالأرض، والبيئة، والتراث الأصيل. كما أن استخدام اللون البيج الفاتح في خوص السلة، واللمعة البيضاء على حبات التمر، شكّل بؤرة جذب بصرية تكسر قتامة الألوان الداكنة وتمنح اللوحة الحيوية والبريق.
فلسفة لونية
ومن الواضح أن وفاء المطوع اعتمدت على فلسفة مدروسة في اختيار الألوان، ولم يأتِ ذلك من فراغ؛ إذ إن توظيف الألوان الترابية يحاكي جدران الطين وسعف النخيل وجذوعه في البيئة الإماراتية القديمة، بصورة تعكس فلسفة الارتباط بالأرض والجذور والتاريخ، كما أن دمج الظلال العميقة المتمثلة في الألوان القاتمة والأسود في الشقوق والظلال الساقط مع الضوء الساطع على التمر، لا يمثل استجابة للمدرسة الواقعية فحسب، بل يضفي مسحة درامية على الطبيعة الصامتة، تبرز قيمتها التراثية والغذائية كرمز للمقومات الأساسية للحياة القديمة. وتجسد الألوان الزيتية بأسلوبها الواقعي فلسفة الفنانة الخاصة في نقل الجمال بصدق ووضوح؛ فالألوان هنا ليست تعبيرية خيالية، بل هي محاكاة أمينة لدرجات الرطب في أوج نضوجه، وملمس الخشب العتيق.
استطاعت وفاء المطوع أن تبث روحاً نابضة بالحياة داخل طبيعة صامتة، وجعلت من بريق حبات التمر، وخشونة ألواح الخشب، وعفوية حبات الرطب المتناثرة، صورة بصرية تُشعر المتلقي بدفء المكان، ورائحة التراث، وكرم الضيافة الأصيل. ولعل اللوحة تتقاطع في بعض جوانبها مع إرث رواد المدرسة الانطباعية وما بعدها، الذين وجدوا في الطبيعة الصامتة، ولا سيما السلال والفاكهة، أرضاً خصبة للابتكار التشكيلي.