الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حين يصبح أمن الجار خطاً أحمر

9 يونيو 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 9 يونيو 00:02 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في غضون أقل من أسبوع، اختارت إيران مرة أخرى لغة الصواريخ والمُسَيَّرات بديلاً عن لغة السياسة، فنفّذت اعتداءين جبانين استهدفا دولتي الكويت والبحرين الشقيقتين، تحت ذرائع واهية لا تصمد أمام أبسط قراءة عقلانية. وكما هي العادة، جاء التبرير على شكل أسطوانة مشروخة: ردٌّ مزعوم على ضربة أمريكية طالت بعض المواقع العسكرية قرب مضيق هرمز. غير أن هذا المنطق المعطوب لا يخفي الحقيقة الجوهرية، وهي أن النظام الإيراني يحوّل أمن دول الجوار إلى ورقة ضغط، كلما تعثرت مفاوضاته غير المباشرة مع واشنطن، أو اصطدمت بعراقيل جدية كانت أو مصطنعة.
إن تكرار هذا السلوك ليس حادثاً عابراً، بل نمط ثابت يكشف عقلية ترى في الفوضى أداةً للحركة، وفي استقرار الآخرين تهديداً يجب تقويضه. فحين تعجز السياسة عن تحقيق المكاسب، يلجأ هذا النظام إلى التصعيد العسكري لإيهام الداخل والخارج بتضخم دوره الإقليمي، بينما الواقع يثبت عكس ذلك تماماً، يثبت مزيداً من العزلة، ومزيداً من الرفض الإقليمي والدولي، ومزيداً من الإفلاس السياسي الذي تتبدد معه كل ادعاءات الرغبة في التهدئة والتعايش.
وفي مواجهة هذا العدوان المتكرر، يبرز الموقف الإماراتي بوصفه عقيدةً ثابتة لا ردة فعل ظرفية. فدولة الإمارات، التي كانت من أكثر دول الخليج تصدياً للاعتداءات الإيرانية السافرة وإحباطاً لها، سارعت إلى إدانة الهجمات الغادرة على الكويت والبحرين، وأكدت وقوفها الكامل مع البلدين الشقيقين ودعم ما يتخذانه من إجراءات لحفظ أمنهما واستقرارهما. وهذا الموقف الفوري والحاسم ليس مجاملةً دبلوماسية، بل تجسيد لقناعة راسخة بأن أمن أي دولة خليجية امتداد لا يتجزأ من الأمن الوطني الإماراتي، ومن أمن المنظومة الخليجية كلها.
ولطالما شددت دولة الإمارات، في كل مناسبة، على أن وحدة الموقف الخليجي قولاً وفعلاً هي السياج الحقيقي لحماية المكتسبات التنموية وصياغة مستقبل آمن للأجيال المقبلة. فالمصير المشترك لدول مجلس التعاون ليس شعاراً يُرفع وقت الأزمات، بل حقيقة استراتيجية تتعمق مع كل تهديد. وقد أثبتت التجارب المتلاحقة أن الاعتداءات لا تَكسر إرادة دول الخليج، بل تزيدها تماسكاً ووضوحاً في تحديد من يقف معها، ومن يراهن على الصمت أو الالتباس.
إن استمرار قصف دول الخليج بالصواريخ والمُسَيَّرات يعطي إشارة لا لبس فيها إلى أن النظام الإيراني لا يقيم وزناً للقانون الدولي ولا لمبادئ حُسن الجوار. وبدل أن يجنح إلى التهدئة وينسجم مع الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى خفض التصعيد، ما زال يصرّ على أن الابتزاز العسكري أداةٌ لإدارة أزماته الداخلية والخارجية. لكن هذا الرهان خاسر بطبيعته، لأن من يبني سياسته على الفوضى لا يصنع نفوذاً دائماً، بل يراكم أسباب عزلته، ويستنزف ذاته قبل أن يستنزف غيره.
وفي ظل هذا المشهد، تقف المنطقة أمام مرحلة مفصلية تستوجب حسم قضايا محورية لا تحتمل التأجيل. أولى هذه القضايا أن الرهان على سياسات التهدئة التقليدية لم يعد مجدياً، وأن أي صيغة محتملة للاتفاق بين إيران والولايات المتحدة يجب ألا تتجاهل ملف الصواريخ الباليستية وسلاح المُسيّرات. فهذا الملف تحديداً يمثل الخطر اليومي المباشر على دول الخليج وعلى الأمن الإقليمي بأسره، ولا يجوز أن يُؤجَّل أو يُترك خارج طاولة التفاوض بوصفه تفصيلاً ثانوياً، بل ينبغي أن يتصدّر الأولويات. ويتصل بذلك مباشرة أن استهداف الملاحة قرب مضيق هرمز لا يهدد دولة بعينها، بل يرفع أسعار الطاقة والغذاء، ويعطّل سلاسل الإمداد، ويحوّل أمن العالم الاقتصادي بأكمله إلى رهينة لابتزاز ملاحي مرفوض.
ومع كل اعتداء يسقط فيه قناع إيراني، يترسخ في المقابل استحقاق إقليمي واضح، ضرورة قيام منظومة أمنية خليجية مستقلة ومتكاملة، قادرة على رصد التهديدات ومواجهتها بكفاءة عالية. فالأمن الجماعي لم يعد ترفاً، بل ضرورة وجودية تفرضها طبيعة المرحلة. ويتعزز إلى جانب ذلك المطلب المشروع بإيجاد ضمانات حقيقية تحفظ الاستقرار الإقليمي، وتُلزم طهران بوقف اعتداءاتها، وتقديم تعويضات عما ارتكبته هي وميليشياتها من انتهاكات وجرائم بحق دول المنطقة وشعوبها.
تؤكد دول الخليج العربية، وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة، أنها ليست طرفاً في هذا الصراع ولا مصلحة لها في الحرب. وتظل ترى أن السبيل الأقوم لإنهاء التوتر يبدأ من عودة إيران إلى رشدها، وإدراكها أن توظيف أمن الجوار كأوراق ضغط لن ينقذها من مأزقها، ولن يقدم لها طوق نجاة في أزماتها المتراكمة. فزمن فرض الإرادة بالقوة قد انتهى، ومن يريد علاقة طبيعية مع محيطه عليه أن يبدأ من القاعدة الأولى، احترام السيادة، ووقف العدوان، والعودة إلى منطق الدولة لا منطق الميليشيات.
تبقى الحقيقة الراسخة وهي أن أمن الخليج خط أحمر لا يقبل المساومة ولا التهاون، وأن وحدة موقفه الصلب هي الرد الأبلغ على كل عدوان، والضمانة الأمتن لمستقبل آمن ومستقر تصنعه الحكمة ولا تفرضه الفوضى.
* باحث في منصة (مفكرو الإمارات)
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة