عاد الخطاب التصعيدي بين واشنطن وطهران ليتصدّر المشهد الإقليمي، بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتهاء مذكرة التفاهم المؤقتة مع إيران، لتدخل التهدئة الهشّة مرحلة جديدة من الغموض، فما بدا فرصة لاحتواء الأزمة تحوّل سريعاً إلى اختبار حقيقي لمدى استعداد الأطراف للانتقال من إدارة التصعيد، إلى بناء استقرار قابل للاستمرار.
ودلالة التطورات الأخيرة أن مذكرة التفاهم، التي وُقّعت في السابع عشر من يونيو/ حزيران، الماضي، مهّدت لمفاوضات أوسع بشأن الترتيبات، الأمنية والنووية وحرية الملاحة، وارتبطت بإعادة فتح مضيق هرمز، غير أن تجدّد الاعتداءات على السفن التجارية أضعف هذا المسار، وأعاد المنطقة إلى المربع الأول، مؤكداً أن التفاهمات التي تُبنى تحت ضغط كلفة المواجهة، من دون معالجة أسبابها، تظل عرضة للانهيار عند أول اختبار جاد.
ويكشف المشهد الميداني عن استمرار السلوك الإيراني المعرقل للملاحة، واستهداف السفن التجارية في مضيق هرمز بالقذائف والمسيّرات، مقابل ضربات أمريكية طالت مواقع عدة، ثم ردود إيرانية استهدفت الإمارات، والكويت، والبحرين، وقطر، سطنة عمان، والأردن، وهذه التطورات ليست حوادث منفصلة، بل حلقات في نهج تصعيدي يوظّف أمن الملاحة ودول الجوار أدوات للضغط السياسي والعسكري.
وجوهر المشكلة ليس تجاوزاً عابراً، بل نمط متكرر يجعل أمن الدول المجاورة والممرات البحرية جزءاً من حسابات التفاوض، فالربط بين استهداف مضيق هرمز والاعتداء على دول ذات سيادة تحدٍّ خطر، ينقل كلفة الخلاف من أطرافه المباشرة إلى دول المنطقة وشعوبها، ويفرض عليها معادلة أمنية لم تكن طرفاً في صياغتها.
وهنا يبرز مبدأ لا يقبل المساومة: حرية الملاحة حق أصيل يكفله القانون الدولي، لا امتيازاً يمنحه طرف، أو يعلّقه وفق حساباته، فمضيق هرمز ليس ورقة تفاوض ثنائي، بل شريان رئيسي للاقتصاد العالمي، وأيّ اعتداء على السفن أو منشآت الطاقة يحمل تداعيات عالمية تنعكس على أسعار الطاقة والغذاء، وتعطّل سلاسل الإمداد، وتمسّ مصالح دول ومجتمعات بعيدة عن دائرة الصراع.
وفي مواجهة هذا المشهد، يظل الموقف الإماراتي واضحاً وثابتاً، فقد أكدت دولة الإمارات أنها لم تكن طرفاً في المواجهة، وواصلت جهودها الدبلوماسية لمنع التصعيد عبر قنواتها، ومجلس التعاون الخليجي، مع احتفاظها بحقها الكامل في حماية سيادتها وأمنها، كما أعلنت تضامنها التام مع الدول الشقيقة، ودعم ما تتخذه لحفظ أمنها، انطلاقاً من قناعة بأن أمن أي دولة خليجية جزء لا يتجزأ من أمن المنظومة كلها.
ويستند هذا الموقف إلى مرجعية قانونية واضحة، وفي مقدمتها الالتزام الكامل بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817 لعام 2026، الصادر في الحادي عشر من مارس/ آذار، الذي دان الاعتداءات الإيرانية، وطالب بوقفها الفوري، والفتح الكامل غير المشروط لمضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، فالقانون الدولي ليس أداة انتقائية تُستدعى عند الحاجة، بل قاعدة لا يُبنى الأمن الإقليمي من دون احترامها.
ومن المهم عدم الخلط بين حماية حرية الملاحة وفق القانون الدولي، وتوظيف الممرات البحرية وأمن المدنيين أوراق ضغط، وتبقى جميع التحركات العسكرية مطالبة باحترام القانون الدولي، وتجنّب توسيع دائرة المواجهة، أو تعريض دول المنطقة وشعوبها لمزيد من المخاطر، فالهدف ليس إدارة التصعيد بمستويات محسوبة، بل منع تحوّله إلى وضع دائم يهدّد أمن الإقليم واقتصاده.
والمنطقة لا تحتاج إلى تفاهمات مؤقتة تعالج مظاهر الأزمة وتترك جذورها، فأيّ تسوية لا تتناول البرنامج النووي والصواريخ الباليستية والمسيّرات، ولا توقف الاعتداءات على دول الجوار والسفن التجارية، ولا تمنح دول الخليج دوراً أصيلاً في ترتيبات أمنها وأمن المضيق، ستبقى هدنة هشّة تؤجل الأزمة، ولا تنهيها.
ومن زاوية إدارة المخاطر، تمثل المنطقة حالة توازن هش عالي الخطورة، فلا حرب شاملة معلنة، ولا سلام مستقر، بل مساحة رمادية يكفي فيها خطأ في التقدير، أو حادث غير محسوب، أو قراءة خاطئة لنوايا الطرف الآخر، لدفع المشهد نحو انزلاق يصعب احتواؤه، وهذا ما يجعل ضبط النفس، وحماية الممرات البحرية، واحترام سيادة الدول، مسؤولية جماعية لا خياراً مؤجلاً.
إن العودة إلى التصعيد، أو التلويح به، لن يخدما أي طرف، فكلفة الحرب الشاملة يدركها الجميع، والرهان على الفوضى خيار خاسر، لأن من يجعل التخريب أداة للضغط يراكم أسباب عزلته، ويستنزف موارده، ويقوّض فرص علاقات مستقرة مع محيطه. ويبقى التمسك بالوسائل السلمية وإبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة، مقروناً بموقف قانوني وأمني حازم، السبيل الأجدى لمنع الانزلاق نحو مواجهة أوسع.
وتبقى الحقيقة أن الاستقرار الحقيقي ليس هدنة تُعلّق بقرار، أو تُلغى بإعلان، ولا تفاهماً مؤقتاً ينتظر انهياره عند أول خلاف، بل خيار استراتيجي يُبنى على احترام السيادة وسيادة القانون والشراكة في صناعة الأمن، فمن يقرأ سكون البنادق انتصاراً قد يكتشف أن الجمر تحت الرماد، أما من يبني على الحكمة والقانون والتعاون، فيصنع سلاماً قابلاً للحياة، لا هدنة تنتظر سقوطها التالي.
*باحث في منصة «مفكرو الإمارات»
