منطقة الخليج العربي من أكثر مناطق العالم استهدافاً من قبل الدول الإقليمية المجاورة والدولية الطامحة للسيطرة عليها نظراً لأهميتها الاستراتيجية الكبيرة، وكونها منطقة النفط العالمية الأولى في العالم. وتاريخياً شهدت المنطقة كل أشكال الصراع بين هذه القوى ومحاولاتها المستديمة للسيطرة عليها. وفى مقدمة هذه الدول إيران التي اتسم سلوكها بالعدوانية وبفرض رؤيتها الأمنية، واعتبار منطقة الخليج مجالها الحيوي الأول، ولذلك عمدت حتى منذ زمن الشاه إلى التأكيد على فارسية الخليج، واحتلالها للجزر الثلاث لدولة الإمارات العربية المتحدة عشية انسحاب بريطانيا في سبعينيات القرن الماضي، وبروز ما عرف وقتها بنظرية فراغ القوة التي حاولت كل الدول ملأه كالولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى سابقاً، وذهبت إيران أبعد من ذلك بمحاولة ضم البحرين والادعاء بملكيتها، ولقد شهدت المنطقة أطول الحروب بين إيران والعراق في أعقاب الثورة الإيرانية 1979، والتي دفعت دول المنطقة ثمناً لها من استقرارها وأمنها، والحرب الثانية التي مست جوهر الأمن الخليجي هي حرب العراق على الكويت ما ترك تداعيات خطرة على مفهوم أمن الخليج العربي والأمن العربي والعلاقة بينهما. وزادت المخاطر التي تستهدف أمن دول المنطقة في أعقاب ما عرف بالتحولات العربية وبروز دور جماعة الإخوان، ولقد زادت محاولات الاستهداف مع محاولة إيران خلق ما يعرف بالطوق الأمني على منطقة الخليج العربي بوجودها في اليمن الخاصرة الجنوبية لمنطقة الخليج، وتفعيل دور الحوثيين، وفي العراق الخاصرة الشمالية وتفعيل دور العديد من الجماعات الموالية لها كالحشد الشعبي، وفي سوريا الحد الشرقي وبتحكمها في الحد الغربي المتمثل في مياه الخليج ومحاولة التحكم في مضيق هرمز. هذا وزادت المخاطر بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي وزيادة وتيرة التصعيد واحتمالات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران كما اليوم.
إزاء هذه التهديدات كان لا بد لدول المنطقة أن تتبنى سياسات حكيمة عقلانية تحمي أمنها وإنجازاتها التنموية الكبيرة، فهي دول لا تسعى للحرب، ولم تكن في وقت من الأوقات خياراً لها، بدليل أنه وعبر تاريخها لم تقم بالاعتداء على أي دولة، وتبنت سياسات تستهدف السلام والأمن والاستقرار، وتقوم سياستها من فرضية أساسية أن أمن دول المنطقة يدعمه أمن واستقرار وتنمية الدول المجاورة، ومن هنا سياسة مد اليد والمساعدات الإنسانية. وتحاول هذه الدول النأي بنفسها عن أي استهداف أو الانجرار في حروب ليست لها، ورأينا ذلك تماماً في الحرب الإيرانية العراقية وكيف نجحت في النأي بنفسها عن هذه الحرب. ولعل موقف دول المنطقة من الحرب اليوم يؤكد نفس الموقف والخيارات بالنأي عن الحرب والقيام بدور السلام وتبني دور الوساطة والحوار، ورغم موقف إيران وعدوانها على الأهداف المدنية لدول الخليج العربي، ظلت هذه الدول متمسكة بالحياد والدعوة إلى إنهاء الحرب وتبني لغة الحوار، كما لعبت دور الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران.
هذا الموقف الثابت ينبع من الرؤية الحكيمة لقادة دول الخليج باعتبار أن المنطقة منطقة سلام وأمن واستقرار للجميع ما يحتم عليها التمسك بخيار السلام وليس الحرب. وهذا الموقف ليس نابعاً عن ضعف بل عن قوة وعدم قبولها لأي اعتداء.
هناك خيارات كثيرة مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، هذه الخيارات كلها ليست قاصرة فقط عليهما، بل أي توافقات أو خيارات سترتد على المستقبل السياسي لدول المنطقة. ولعل من أبرز الأخطاء التي وقعت فيها إدارة الرئيس أوباما، أنها وقعت الاتفاق النووي مع إيران بعيداً عن دول المنطقة والتنسيق معها. واليوم وفي أعقاب انسحاب إدارة الرئيس ترامب من الاتفاق النووي وتبني استراتيجيات العقوبات الاقتصادية المتصاعدة، والذهاب لخيار الحرب الثلاثية، لا ينبغي تكرار الأخطاء السابقة، فكما أن المنطقة كلها تدفع ثمن أي حرب، لا بد أن يكون لدول المنطقة دور مباشر في أي خيارات يتم الاتفاق عليها بين واشنطن وطهران. ففي أي مفاوضات حول أي اتفاق نووي جديد أو أي اتفاق سياسي لا بد أن يكون لها حضورها السياسي والدبلوماسي. وعسكرياً هي ليست طرفاً في أي خيار لأي حرب، لكن هذا لم يمنعها من تقوية بنيتها العسكرية وهذا حق لكل دول العالم، وتنويع تحالفاتها الاستراتيجية وعلاقاتها الدولية، وفي الوقت ذاته إنشاء قوة عربية مشتركة وأساسها قوة خليجية مشتركه قادرة على التصدي لأي عدوان.
لم تعد دول الخليج العربي دولاً هامشية ليس لها دور في تقرير مصير أمن واستقرار المنطقة، وهذا الدور يفرض على جميع الأطراف الدولية أن تأخذ في اعتبارها موقف وأهداف دول المنطقة، حيث تبقى منطقة الخليج العربي منطقة من حق دولها أن تحافظ على مصالحها التي يجب أن يتم مراعاتها في أي تطورات مستقبلية.
