* قبل أكثر من ثلاثة عقود، استضافت الولايات المتحدة كأس العالم 1994 في نسخة ما زالت تُذكر باعتبارها واحدة من أكثر البطولات نجاحاً وتأثيراً في تاريخ اللعبة، يومها كانت أمريكا تقدم نفسها للعالم باعتبارها نموذجاً للانفتاح والحرية، وكانت كرة القدم تبحث عن أسواق جديدة وجماهير إضافية، فالتقت المصالح وخرجت بطولة مبهرة تنظيمياً وجماهيرياً وفنياً، رسخت مكانة المونديال كأكبر حدث رياضي على وجه الأرض.
أما اليوم، ومن قبل انطلاق كأس العالم 2026، فإن الصورة تبدو مختلفة تماماً. فبدلاً من أن تكون كرة القدم جسراً بين الشعوب، تحولت في كثير من المشاهد إلى ضحية جديدة لتداخل الرياضة مع السياسة. والمثير للدهشة أن الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» يقف متفرجاً، وكأنه لا يرى ما يحدث أو لا يريد أن يراه.
* لقد شاهد العالم خلال الفترة الماضية إجراءات أثارت الكثير من الجدل، من صعوبات الدخول لبعض الجماهير واللاعبين والحكام والإعلاميين، إلى شكاوى متكررة تتعلق بطريقة التعامل مع مواطني عدد من الدول في المطارات، وصولاً إلى أجواء سياسية ألقت بظلالها على البطولة قبل أن تبدأ، ورغم ذلك لم نسمع موقفاً حازماً من «فيفا»، بل شاهدنا رئيسه جياني إنفانتينو يتحدث لوسائل الإعلام بطريقة أقرب إلى محاولة تبرير الواقع بدلاً من معالجته.
* ولم تتوقف الأزمة عند هذا الحد، فأسعار التذاكر وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، جعلت حضور المباريات حلماً بعيد المنال لكثير من عشاق اللعبة، لم يعد الفقراء وحدهم عاجزين عن متابعة منتخباتهم من المدرجات، بل امتد الأمر إلى شرائح واسعة من الطبقة الوسطى التي كانت تمثل دائماً العمود الفقري للجماهير في بطولات كأس العالم.
أضف إلى ذلك الانتقادات المتعلقة بأرضيات بعض الملاعب ومستوى الجاهزية الفنية، لتكتمل صورة تثير القلق بشأن مستقبل البطولة الأشهر في العالم، فالمونديال لم يُخلق للأثرياء وحدهم، ولم يكن يوماً مناسبة حصرية لمن يملك القدرة على دفع آلاف الدولارات مقابل تذكرة أو رحلة سفر.
* كرة القدم أصبحت اللعبة الشعبية الأولى لأنها كانت ملكاً للجميع، وعندما تتحول إلى سلعة نخبوية، وعندما يتم التعامل مع مبادئها وفق معايير انتقائية، فإن الخاسر الحقيقي لن يكون منتخباً أو جماهير دولة بعينها، بل اللعبة نفسها التي أحبها العالم لأنها كانت دائماً أقرب إلى الناس من أي شيء آخر.
X: @AhmedEzzatBoush
