تعيش المجتمعات التي لم تعرف الحرية في قبضة ذهنية سلطوية مغلقة، لا ترى في الاختلاف إلا خطراً ينبغي محوه، ولا تعترف بالآخر إلا بقدر ما يذوب فيها. وفي هذا الفضاء لا تُطرح الحرية بوصفها حقاً أصيلاً للإنسان، بل تُستبدل بأمر قاطع، صريح أو مستتر: كن مثلي. وهذه العبارة ليست مجرد تعبير عابر، بل هي جوهر العقل الاستبدادي الذي يفرض نموذجاً واحداً للوجود، ويحوّل التنوع إلى انحراف، والاختلاف إلى تهديد ينبغي القضاء عليه.
وتقوم هذه الذهنية على فكرة مركزية هي سلب حرية الآخر في أن يكون كما يريد. فالغاية ليست الاعتراف بالاختلاف، بل إعادة تشكيل الآخر على صورة الذات، وبذلك تتحول العلاقة الإنسانية من علاقة اعتراف متبادل إلى علاقة هيمنة وإخضاع.
ولا يزال وعي الإنسان العربي، في كثير من تجلياته، خاضعاً لهذا المبدأ. فهو لا يتعامل معه بوصفه سلوكاً فردياً عابراً، بل يجعله إطاراً لفهم الذات والآخر والعالم. وهكذا يتحول الفرد إلى معيار للحقيقة والقيم، فيخلط بين رأيه الشخصي والحقيقة العامة، ويمنح ذاته سلطة ليست له.
ومن هنا يمنح هذا الوعي نفسه حق إصدار الأحكام، فيمدح أو يذم، بل يتجاوز ذلك إلى تحديد قيمة الآخرين وهويتهم بحسب مقدار تشابههم معه. فتغدو الهوية الفردية معياراً عاماً، ويُنظر إلى الاختلاف على أنه خروج عن الحقيقة، لا تعبير مشروع عن التنوع الإنساني.
إن ذهنية «كن شبيهاً بي، كن مثلي» ليست مجرد سلوك عابر، بل هي بنية ذهنية مضادة للحرية، فهي لا ترى الإنسان ذاتاً مستقلة، بل نسخة ينبغي أن تطابق نموذجاً سابقاً. ولذلك فهي تقمع الفردية، وتحد من الإبداع، وترفض التعدد.
ويظهر الوعي القطيعي بوضوح في الأمر: كن مثلي، أو في السؤال الذي يخفي أمراً: لماذا لست مثلي؟ فهذا السؤال لا يطلب فهما، بل يفرض تطابقاً، ويُخفي سلطة خلف صيغة الاستفهام، كأن الاختلاف جريمة تستوجب التبرير. وهنا تتحول اللغة نفسها إلى أداة للإكراه، ويغدو السؤال قناعاً للأمر.
ولهذا تنتج هذه الذهنية العداوات، فهي تجعل الاختلاف تهمة، والتنوع انحرافاً، والتمايز سبباً للصراع. وهكذا تتحول العلاقات الإنسانية إلى خصومات، لأن الآخر لا يُقبل بوصفه مختلفاً، بل يُرفض لأنه ليس نسخة مطابقة.
وتتجلى هذه الذهنية في الحياة اليومية والفكرية بأشكال متعددة. ففي الأسرة قد يفرض الأب على ابنه اختيار تخصص دراسي بعينه لأنه اختاره لنفسه، أو لأنه يراه الطريق الوحيد إلى النجاح، متجاهلاً ميول الابن وقدراته. وفي المجال الديني قد يُطالب الإنسان بأن يتبنى تفسيراً واحداً للنصوص، ويُتهم بالانحراف إذا اجتهد أو اختلف. وفي المجال الاجتماعي قد تُفرض على المرأة أنماط محددة من اللباس أو السلوك لا لأنها اختارتها، بل لأنها النموذج المقبول اجتماعياً. وفي السياسة يُطلب من المواطن أن يكرر خطاباً واحداً، وأن يرى العالم بعين واحدة، وإلا عُدّ خارجاً عن الجماعة. وفي جميع هذه الحالات لا يُطلب من الإنسان أن يفهم أو يختار، بل أن يطابق.
ومع ذلك، فإن التشابه ليس دائماً نقيضاً للحرية. فهناك تشابه طبيعي ينشأ من التفاعل الحر، لا من الإكراه.
والفرق الجوهري بين التشابه القسري والتشابه الطبيعي يكمن في مصدره، فالأول يُفرض من الخارج ويقمع الاختلاف، أما الثاني فينبع من الداخل ويترك المجال مفتوحاً للتنوع. الأول يلغي الفرد، والثاني يحترمه.
غير أن الدفاع عن الاختلاف لا يعني الاحتفاء بكل اختلاف على إطلاقه. فليس كل اختلاف قيمة، وليس كل تناقض جديراً بالاعتراف. إن الاعتراف المتبادل يفترض وجود أرضية أخلاقية وإنسانية مشتركة تجعل الحوار ممكناً. أما حين يتحول الاختلاف إلى نفي لحق الآخرين في الوجود، فإنه يغادر مجال التنوع المشروع ويدخل مجال التناقض الهدام.
إن الاعتراف بالآخر ليس اعترافاً مجرداً بأي موقف يتخذه، وإنما هو اعتراف بالإنسان بوصفه كائناً حراً ومسؤولاً داخل أفق من القيم التي تجعل الحياة المشتركة ممكنة.
إن التحرر من ذهنية «كن شبيهاً بي، كن مثلي» يقتضي تجاوز عقل الماهية المغلقة الذي يعامل الإنسان بوصفه شيئاً ثابتاً مكتملاً. فالإنسان ليس ماهية ناجزة، بل كائن يصنع ذاته باستمرار، إنه وجود لذاته، مشروع مفتوح لا قالب مكتمل.
وبناء مجتمع حر لا يبدأ بالقوانين وحدها، بل يبدأ بتحرير الوعي من سلطة «كن مثلي». فالممارسة الحرة تولّد وعياً بالحرية، وهذا الوعي يعززها ويعمقها، غير أن تغيير البنى الذهنية يظل أصعب من تغيير المؤسسات، لأنه يمس الجذور العميقة التي يتكون منها الوعي.
وعليه، فإن ذهنية «أشبهني» ليست مجرد عائق أمام الحرية، بل هي نقيضها المباشر وأداتها الخفية في آن واحد. فلا حرية تُبنى في ظل وعي يفرض التطابق، ولا إنسان يُعترف به ما دام يُقاس بمدى تشابهه مع غيره. إن كسر هذه الذهنية ليس ترفاً فكرياً، بل هو معركة تأسيسية ضد الاستبداد في أعمق مستوياته: مستوى الوعي. فالحرية تبدأ حين يُعترف بالآخر كما هو، لا كما نريده أن يكون، وحين يتحرر الإنسان من الأمر السلطوي الصامت الذي يحكم كثيراً من علاقاته: كن شبيهاً بي.
