قبل سنوات كان الحديث عن المال داخل كثير من البيوت، يدور غالباً حول المصروفات والفواتير ونهاية الشهر. أما اليوم، فقد أصبح المال جزءاً من نقاش أوسع يرتبط بجودة الحياة، والشعور بالأمان، والقدرة على التخطيط للمستقبل بثقة. ولم يعد الوعي المالي ترفاً بقدر ما هو مهارة حياتية أساسية يحتاج إليها الجميع، بدءاً من الأطفال والشباب، وصولاً إلى الأفراد والعائلات ورواد الأعمال.
أهمية هذا الوعي تأتي في وقت يواجه فيه الجيل الجديد كماً هائلاً من الرسائل المالية المتدفقة، عبر التطبيقات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث تختلط النصائح المهنية بالمعلومات المضللة، وتتحول بعض أنماط الاستهلاك إلى ضغوط اجتماعية تدفع نحو الإنفاق غير المدروس وربط النجاح بالمظاهر السريعة. وهنا تحديداً، لم تعد المشكلة في نقص المعلومات، بل في القدرة على التمييز بين ما يفيد فعلاً، وما يخلق سلوكاً مالياً غير صحي على المدى الطويل.
يأتي الاهتمام بدعم نشر الوعي المالي في دولة الإمارات ضمن جهود يقودها مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي، لتعزيز الثقافة المالية وترسيخ السلوك المالي المسؤول والمستدام، بما ينسجم مع توجهات الدولة في بناء مجتمع أكثر وعياً واستعداداً للمستقبل.
كما يواصل مصرف الامارات العربية المتحدة المركزي دوره في دعم جهود التوعية المالية على مستوى القطاع المصرفي، عبر مبادرات وأدلة إرشادية وبرامج تسهم في تعزيز مفاهيم التخطيط المالي والادخار والاستثمار المسؤول، انطلاقاً من قناعة متزايدة بأن الثقافة المالية أصبحت إحدى الركائز الأساسية للشمول المالي والاستقرار المجتمعي.
لقد أصبح دور البنوك يتجاوز فتح الحسابات وتقديم الخدمات التمويلية، ليمتد إلى المساهمة في بناء ثقافة مالية أكثر وعياً داخل المجتمع. فالمؤسسات المالية الأكثر تأثيراً في المستقبل هي الأسرع في تقديم الخدمات الرقمية، والأكثر قدرة على بناء علاقة قائمة على الثقة والمعرفة مع العملاء، ومساعدتهم على اتخاذ قرارات مالية مدروسة.
ولهذا بدأت بنوك ومؤسسات مالية حول العالم تتعامل مع الثقافة المالية باعتبارها استثماراً طويل الأمد، عبر تطوير برامج تعليمية للأطفال واليافعين، وإطلاق تطبيقات ومحتوى تفاعلي مبسط، يرسّخ مفاهيم الادخار والتخطيط وإدارة المصروف من سنّ مبكرة. كما باتت حملات التوعية اليوم تأخذ أشكالاً أكثر قرباً من الناس، من خلال الفيديوهات التوعوية القصيرة، وورش العمل التفاعلية، والمحتوى الرقمي المبسط عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى الأدوات الرقمية التي تساعد الأفراد على تتبع الإنفاق وإدارة الميزانية واتخاذ قرارات مالية أكثر وعياً.
وفي مصرف الشارقة الإسلامي نحرص على تنظيم ورش توعوية مالية موجهة للأطفال واليافعين بالتعاون مع العديد من الشركاء المجتمعيين، كمؤسسة ربع قرن لصناعة القادة والمبتكرين، بهدف غرس مفاهيم الادخار والتخطيط المالي السليم لدى منتسبي أطفال الشارقة وسجايا فتيات الشارقة، من خلال أساليب تفاعلية تجمع بين الفائدة والمتعة وتتناسب مع مختلف الفئات العمرية، انطلاقاً من قناعة بأنّ بناء جيل واعٍ مالياً يمثل استثماراً حقيقياً في استقرار المجتمع ومستقبله.
كما يشمل هذا الدور تعزيز الوعي بالسلوك المالي المتوازن، فالثقافة المالية لا تعني التقشف، بل فهم الأولويات وإدارة الدخل بطريقة صحية ومستدامة. ومع التوسع الكبير في الخدمات الرقمية، برزت أيضاً أهمية التوعية بمخاطر الاحتيال المالي والأمن الرقمي، خاصة مع تطور أساليب التصيّد والاحتيال الإلكتروني. وفي النهاية، فإنّ بناء ثقافة مالية أكثر ذكاءً يحتاج إلى وعي مستمر، ومعلومات موثوقة، وحوار مفتوح يساعد الأفراد على فهم علاقتهم الحقيقية بالمال. وعندما تنجح البنوك والمؤسسات المالية والجهات التنظيمية في أداء هذا الدور بشكل متكامل، فإنها تعزز الاستقرار المالي للأفراد، وتسهم أيضاً في بناء مجتمع أكثر قدرة على التخطيط، وأكثر ثقة في مواجهة المستقبل.
* رئيس الاتصال المؤسسي وتوعية العملاء في مصرف الشارقة الإسلامي
