د. شيرين نصار
يشهد قطاع الخدمات اللوجستية، في الإمارات ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تحولاً محورياً يعيد رسم دوره الاقتصادي والاستراتيجي. فبعد أن ارتبطت مكانة الدولة بموقعها الجغرافي عند ملتقى طرق التجارة العالمية، أصبحت اليوم منظومة متكاملة تشمل الموانئ والمطارات، والمناطق الحرة، ومنصات التجارة الرقمية، وشبكات التوزيع للميل الأخير، ضمن نظام أكثر تنسيقاً وتكاملاً من أيّ وقت مضى.
هذا التطور جاء نتيجة استثمارات طويلة الأمد في البنية التحتية، ونمو متسارع للتجارة الإلكترونية، وإصلاحات تنظيمية تهدف إلى تبسيط الإجراءات، وتعزيز كفاءة سلاسل الإمداد. ووفقاً لتقديرات كين ريسيرش (2024)، من المتوقع أن يرتفع حجم سوق الخدمات اللوجستية في الإمارات من 30 مليار دولار في 2023 إلى نحو 40 مليار دولار بحلول 2028، مدفوعاً بتوسع التجارة الإلكترونية والاستثمارات في البنية التحتية الذكية. كما سجلت موانئ دبي العالمية نشاطاً قياسياً في مناولة الحاويات خلال 2024، واستمر في الزخم خلال 2025، ما يعكس قوة استخدام الأصول واستقرار الحركة التجارية.
العامل الأول والأكثر تأثيراً هو تغيّر الطلب، وفي مقدمته التجارة الإلكترونية. فقد شهد قطاع التجزئة الإلكترونية في الإمارات نمواً ملحوظاً خلال 2024، ومن المتوقع استمرار هذا النمو، ما أدى إلى زيادة تدفق الطرود، وتعقيد عمليات الإرجاع، وارتفاع الطلب على مساحات توزيع متطورة تقنياً.
المستهلك اليوم يتوقع توصيلاً أسرع وأكثر موثوقية، ما يفرض ضغطاً على شبكات التوصيل للميل الأخير. وفي الوقت ذاته، يخلق هذا الواقع فرصاً لشركات الخدمات اللوجستية لتطوير حلول رقمية ذكية، وتحليلات بيانات دقيقة، لتحسين القدرة على التنبؤ بالطلب، وإدارة المخزون.
العامل الثاني، هو تحديث البنية التحتية المادية والرقمية. فالإمارات ودول المنطقة قادرة على التوسع بسرعة، وبناء مرافق حديثة مقارنة بالمناطق المتقدمة التي تعاني بنية تحتية متقادمة. ويواصل القطاعان، العام والخاص، الاستثمار في الربط متعدّد الوسائط، وتوسيع التخزين، وتحسين كفاءة الموانئ والمطارات.
وتعتبر دبي وأبوظبي، إضافة إلى المنطقة الحرة لجبل علي، نماذج رائدة في التحول الرقمي، مع محطات آلية ومنصات تجارة إلكترونية، وتطبيق إجراءات غير ورقية بالكامل، ما أسهم في خفض التكاليف، وتسريع التخليص الجمركي، وخفض الانبعاثات. كما تم تعزيز البنية التحتية، في السعودية ومصر والمغرب، لدعم الربط الإقليمي وتحسين موثوقية العمليات.
ويشهد القطاع اعتماداً متزايداً لتقنيات الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، وتقنية سلسلة الكتل، بهدف رفع الكفاءة والشفافية. كما يتم اختبار الروبوتات، وأتمتة المحطات، وحلول التوصيل الذاتي، بدءاً من معدات مناولة الحاويات الآلية، وصولاً إلى مراكز التوزيع المدعومة بالروبوتات، ومركبات الشحن الثقيلة ذاتية القيادة.
وتهدف هذه المبادرات إلى خفض التكاليف، وتحسين السلامة، وخفض البصمة البيئية، وتعزيز الاستدامة التشغيلية، ما يجعل الإمارات منصة رائدة لتجارب الخدمات اللوجستية المستقبلية.
وباتت الاستدامة محوراً رئيسياً، مع لوائح دولية ومحلية للحد من الانبعاثات، وتحسين كفاءة الوقود. ويشكل المرسوم بقانون اتحادي رقم 11 لسنة 2024 إطاراً قانونياً لإدارة الانبعاثات، حيث قد تتراوح الغرامات وفق تقديرات KPMG (2024) بين 50,000 و2,000,000 درهم، مع مضاعفة العقوبة عند تكرار المخالفات.
5 أولويات للمستقبل
1. تعزيز الربط متعدّد الوسائط: تكامل الموانئ والسكك الحديدية والطرق البرية والشحن الجوي، للحد من الاختناقات وضمان استمرارية سلاسل التوريد.
2. تسريع التشغيل البيني للتجارة الرقمية: توسيع منصات النافذة الواحدة، وتوحيد معايير البيانات، وتمكين واجهات برمجة التطبيقات لتقليل كُلَف المعاملات.
3. إعادة تصور خدمات الميل الأخير: مراكز توزيع مصغرة، وشبكات خزائن الطرود، وأساطيل منخفضة الانبعاثات لتحسين الموثوقية والحد من الازدحام.
4. تطوير قدرات القوى العاملة: شراكات بين الصناعة والحكومة والتعليم العالي، لتأهيل الكوادر في تحليل البيانات، وصيانة الروبوتات، والتكامل الرقمي.
5. دمج الاستدامة والمرونة: الاستثمار في أصول موفرة للطاقة، تحسين خيارات التوجيه، وتعزيز الشفافية لمواجهة المخاطر، التشغيلية والجيوسياسية والبيئية.
* المديرة العالمية للدراسات اللوجستية وسلاسل التوريد في جامعة «هيريوت وات دبي»
