الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

بلا دم وبلا عسل..

14 يونيو 2026 00:09 صباحًا | آخر تحديث: 14 يونيو 00:09 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
في الميثولوجيا الإسكندنافية، وبحسب موسوعة الأساطير العالمية (حنّا عبّود) كان هناك أخوان قزمان: فيالار، وغالار، قاما بدعوة أحد الأرباب واسمه (كفاسير) إلى حفلة، غير أن الدعوة كانت مجرّد خدعة، فقد قتلا كفاسير هذا، ومزجا دمه مع العسل، وعندئذ حصلا على شراب فريد من نوعه اسمه شراب الميد «الملهم للشعراء، فأولئك الذين يشربونه يصبحون شعراء مُلهمين..».
عند العرب لا توجد ميثولوجيات وأساطير من هذا النوع سوى بعض السرديات الغامضة حول وادي عبقر الذي يهبط فيه الوحي على الشعراء، وهناك من قال إن لكل شاعر جنّياً يسكنه هو مَنْ يملي عليه الشعر، لكن، لأنه الآن لا يوجد وادي عبقر، ومسألة الجنّ هذه لا تدخل العقل، فإن أقرب شيء لأولئك الشعراء غير المحظوظين هو مركب الأخوين: فيالار وغالار: شراب الميد الذي يحوّل أحدهم بمجرّد جرعة واحدة إلى شاعر عبقري..
في زمننا الحالي، الزمن الذي اختفت فيه الأساطير يمكنك أن تقرأ بعض المقابلات الصحفية مع شعراء يتحدثون عن لحظة الإلهام في أثناء كتابة القصيدة، البعض يقول إنه يستعين بالموسيقى، ويحدّد موسيقياً بعينه: والأغلب أنه باخ أو بيتهوفن، والبعض يستعين بالشموع والعطر، والبعض يختار الليل، وتحديداً، الهزيع الأخير من الليل..
وبالطبع، لكل طريقته ولكل طقوسه وملهماته، لكن المرء يستغرب فعلاً من شاعر مثل فرناندو بيساوا الذي كان يكتب في الظهيرة وهو مستند إلى جدار أو جذع شجرة، ولم يكن في حاجة مطلقاً إلى شراب الميدو، كما لا حاجة له لأن يذهب إلى الأودية حيث يكثر الجن، فالمجنون الحقيقي هو من يترك مقاهي لشبونة الهادئة المشمسة.
يُروى عن غابرييل غارسيا ماركيز أنه كان يضع وردة صفراء أمامه على طاولة الكتابة حين يشرع في رواية وقد حضّرت له زوجته مرسيدس رزمة من الورق، فيما لم يكن محمود درويش بحاجة إلى ورد لا أحمر ولا أصفر، فقط «إنّا نحب الورد لكنّا نحب الخبز أكثر».. وحين كان يشرع صاحب «أحبك أو لا أُحبك» في الكتابة كان يرتدي ملابسه الرسمية من بدلته الكلاسيكية، إلى ربطة العنق، إلى حذائه الأنيق.
عمل الكثير من الشعراء العرب في الصحافة، وفي مكاتبهم المتواضعة في جرائدهم كتبوا أجمل أشعارهم، ولكي لا نعمل من هذه الزاوية قضية، فإن الشاعر الحقيقي، أحياناً، يكتب قصيدته وهو نائم، إذا كان بالقرب من وسادته ورق وقلم وكأس ماء..
تلك هي أسطورته الصغيرة، بلا دم وبلا عسل..
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة