يقول الشاعر العُماني محمد الحارثي في كتابه الممتع «عين وجناح»، وهو كتاب رَحَلات قام بها في عدد من البلدان الآسيوية، إن الحرّ الشديد في مسقط وُصِفَ بأنه يُذيب السيف في جرابهِ، وهو بالطبع وصف مُبالغ فيه كما هو حال عمل المخّيلة الشعبية التي تنتج مثل هذه الكنايات والاستعارات ليس حول الحرّ فقط، بل، وهناك البرد الشديد الذي يقصّ المسمار بحسب مخيلة أهل بلاد الشام.
لكن الكلام هنا بخصوص الصيف ودرجات حرارته التي تقارب الخمسين درجة مئوية في منطقة الخليج العربي، ومع ذلك كان أهل الخليج قبل ظهور النفط، وتوفّر نعمة الكهرباء يعيشون على الهواء البارد اللذيذ الذي كانت البراجيل تصنعه تلقائياً وبكل بساطة، ذلك البناء الصغير الذي يقع أعلى البيوت الشعبية، ومن شأنه أن يجمع الهواء وَيُسوي فيه تيارات متلاقية من شأنها إيجاد ذلك الهواء البارد، والصحّي في آن واحد، قياساً إلى الهواء المصّنع اليوم في الأماكن المكيّفة المغلقة.
صنع الخليجي البراجيل، أوّل المكيفات الشعبية، وزرع النخل، وراح يجلس تحت ظل النخلة، وينام قرير العين مكتفياً بهبة نسيم شاردة من البحر أو من واحة قريبة من بستانه الأخضر النبيل.
صنع، أيضاً، البيوت الشعبية بواسطة نوع مخصوص من الحجارة تحتوي على مسامات معينة من شأنها أن تبرّد الهواء، وفي الوقت نفسه جعل سقف بيته عالياً ونوافذه رحبة واسعة لاستيعاب التيارات الهوائية وتحويلها إلى برودة طبيعية.. صحية، وليست مصنّعة.
كل حاجة وكان لها اختراعها الشعبي عند الخليجي قبل عشرات ومئات السنوات، وآنذاك، كانت درجات الحرارة أعلى بكثير مما هي عليه اليوم بفعل تغيّرات البيئة والمناخ، ومع ذلك كان ابن المنطقة يشدّ وزاره أو إزاره على خصره، ويغوص في البحر حتى الأعماق ليلتقط اللؤلؤ من غياهب الماء، وفي الوقت نفسه، لا يكف عن الغناء.
لم يكن ابن المكان الخليجي يتذمّر من نصيبه المناخي الناري هــذا، ولم يشــــهد الخليج العربي في تاريخه الاجتماعي والجغرافي أي شكل من أشكال الهجرات الجماعية الكبرى باتجاه الشمال، أو لنقل نحو الجنة الباردة في أوروبا، وبقي العربي الخليجي في جغرافيته الوجودية والوجدانية في الوقت نفسه بثيابه الشعبية التقليدية، وأنماط معماره التراثي، ومأكله ومشربه، يغني تحت نخلته، ويلقّن البحر درساً في فن العوم، ثم كلما زادت حرارة الشمس زادت سمرته وأصبح أكثر جمالاً كإنسان، وكرمز للمكان، وللتاريخ الذي يصنعه بثقافته الأصيلة العريقة.
