الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أمنيات السلام في بريق المونديال

14 يونيو 2026 00:00 صباحًا | آخر تحديث: 14 يونيو 00:01 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
خلف بريق المونديال وصخب الملاعب الصاعد من ثلاث دول متجاورة تشهد كواليسها مشادات سياسية معقدة، تولد مع ركل الكرة الأولى أمنيات عريضة وتطلعات متجددة تعانق السماء، حيث يبحر طموح الشعوب خلف المستديرة الساحرة في قلب أمريكا الشمالية، لعلها تنجح في ترميم ما هدمته الأزمات، وتحمل في دورانها بارقة أمل تعيد حياكة الروابط الإنسانية الممزقة ووأد الصراعات التي تحرق جبين العالم اليوم.
فمنذ انطلاق المسابقات الرياضية العالمية والتي بدأت في أثينا بالقرن التاسع عشر تطلع المفكرون والسياسيون إلى دور فعال لهذه التجمعات الكبرى في وأد الخلافات ونشر السلام بين مختلف الشعوب، وتسليط الضوء بصورة أكبر على معاناتهم وكفاح اللاعبين الذين سحروا الأعين بمهاراتهم الفائقة في كرة القدم على وجه التحديد.
فكرة القدم التي يصفها البعض ب«مخدر الشعوب» مثلت متنفساً للجماهير التي تعلقت بفرقها وزحفت خلفها لتملأ المدرجات تستعرض طقوسها وفنونها التي بهرت العالم، متخطية الحواجز التي تصنعها السياسة وآلة الحروب، لقد نجحت في إيصال رسالة الشعوب، كما تمثل منصة للحكومات لتعزيز الهوية الوطنية والدعاية لها وعرض قوتها وما حققته من تطور ورقي، وتمثل ذلك في المنافسة الشرسة على إخراج هذه البطولات في أبهى صورها.
تاريخياً لم تنفصل الرياضة عن السياسة، وقد ساهمت كرة القدم في نزع فتيل بعض الأزمات وتعزيز فرص التعايش، ففي نيجيريا أثناء الحرب الأهلية المريرة، اتفق المتقاتلون على هدنة عام 1969 لمشاهدة مباراة ودية لبيليه، وفي العام نفسه أغارت طائرات السلفادور على هندوراس عقب مباراة بينهما في التصفيات المونديالية، وقبلها وضع جنود الحرب العالمية الأولى سلاحهم في هدنة عيد الميلاد ليخوضوا مباراة ودية معلنين أن العداء يزول بمجرد ركل الكرة، كما جمعت كرة القدم بين فريقي الكويت الكويتي والشرطة العراقي باستاد القاهرة بعد سنوات من الانقطاع عقب الحرب بين البلدين الشقيقين.
في المقابل، وُظفت اللعبة لخدمة الأيديولوجيات، حيث استغل موسوليني كأس العالم بإيطاليا عام 1934 للترويج لنظامه الفاشي، تبعه هتلر الذي روج لنظامه النازي خلال أولمبياد برلين 1936، وخلال الحرب الباردة قاطعت الدول الغربية دورة موسكو عام 1980 احتجاجاً على احتلال الاتحاد السوفييتي لأفغانستان، ليرد الأخير بمقاطعة دورة لوس أنجلوس عام 1984، ومؤخراً أُقصي منتخب روسيا من الملحق المؤهل لكأس العالم عقب وقوع الحرب بين روسيا وأوكرانيا.
وتقدم بطولة العالم الحالية نماذج إنسانية لنجوم ولدوا من رحم المعاناة وقهروا الصعوبات، مثل الكندي «ألفونسو ديفيز» المولود بمخيم للاجئين، والبرازيلي «فينيسيوس جونيور» الذي نشأ في أزقة بلاده الفقيرة، والمغربي «أشرف حكيمي» الذي كافحت والدته بمهنة التنظيف ليقود بلاده اليوم لتحدي الكبار، هؤلاء ليسوا مجرد لاعبين، بل سفراء يحملون باقة الأمل لآلاف الأطفال المشردين في المخيمات والخنادق.
ستنتهي البطولة، وتنطفئ الأضواء، ويظل طفل في قرية نائية أو مخيم نزوح يركل كرته المصنوعة من بقايا القماش، يحلم بصناعة مجد من ثنيات الخراب. ستتبدل الأجيال ولكن ستبقى المستديرة هي الطقس الذي يمنح البسطاء متنفساً مجانياً يعبرون فيه عن أحلامهم التي قد تتحقق يوماً.. بعيداً عن دهاليز السياسة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة