أحدثت الرقمنة بما تحيل إليه من تحويل المعلومات والمعطيات والوثائق ومختلف الخدمات والأعمال إلى صيغ إلكترونية، ثورة حقيقية في مختلف مناحي الحياة الإنسانية عبر العالم، وأضحت جزءاً من الحياة اليومية للأفراد، بعدما اجتاحت عدداً من المجالات الصناعية والإدارية والتعليمية.
تنطوي الرقمنة بشكل عام على قدر كبير من الأهمية، باعتبارها تدعم التطور التكنولوجي، وتتيح حفظ المعلومات والأرشيف، علاوة على ضمان حماية المعطيات والبيانات ومنع ضياعها تحت تأثير الزمن أو اعتبارات أخرى، كما لا تخفى أهميتها على مستوى تعزيز التواصل الإنساني، وتحسين الخدمات الإدارية، وتجاوز الإشكالات البيروقراطية والتقليل من الأخطاء البشرية.
ومن جهة أخرى، وفّرت الرقمنة والتكنولوجيا الحديثة فرصاً كبيرة لتطوير منظومة التعليم والتربية، حيث أصبح التعليم عن بعد أحد السبل الداعمة للجودة وتطوير المناهج، وتجاوز الإكراهات الناجمة عن ضعف الإمكانيات ونقص البنى التحتية والأطقم التربوية.
كما برزت المدن الذكية كفضاءات منفتحة على الطفرة الرقمية، خاصة على مستوى تعزيز الاستجابة للتطورات المجتمعية المتصلة بتمدّد المجالات الحضرية، والمحافظة على البيئة، وتحقيق الأمن الإنساني، وتيسير تدفق المعلومات، وإضفاء طابع من الحوكمة على الخدمات المقدمة للمواطن.
وإضافة إلى ذلك، مثّل بروز الإعلام الرقمي ثورة حقيقية في مجال الصحافة، بعد ظهور قنوات ومواقع متعددة، إضافة إلى شبكات التواصل الاجتماعي، التي انتشرت عبر العالم. وأسهمت في تقديم معلومات وافية حول عدد من المواضيع، كما وجهت انتقادات للسياسات، ما أسهم في تزايد تأثيرها في أوساط الرأي العام وطنياً ودولياً.
وفي مقابل ذلك، طرحت الرقمنة بتسارعها الكثير من الإشكالات، خاصة على مستوى التهديدات المرتبطة بالقرصنة واختراق الخصوصيات، والمسّ بحقوق الأفراد والجماعات، زيادة على تكريس هوة رقمية بين دول تصنع وتتحكم في هذه التكنولوجيا، وأخرى تستهلكها بشكل عشوائي ومن دون أن تمسك بخيوطها.
وعلى المستوى الاجتماعي، كرّست هذه التقنيات مجموعة من الممارسات والسلوكات غير السليمة كما هو الأمر بالنسبة لتراجع الروابط الأسرية، والاعتماد المبالغ فيه على الرقمنة في الحصول على المعلومات والتواصل والبحث العلمي، على حساب التنكر لمجموعة من القنوات التقليدية التي لا تخلو من أهمية كالكتاب الورقي والنقاشات الواقعية. فيما تغيرت الكثير من المفاهيم بصورة كبيرة، كالعمل والتواصل والانتماء والتفاعل والخصوصيات من طابعها التقليدي إلى طابع افتراضي.
قبل أكثر من سبعة عقود، تنبأ الكاتب «جورج أورويل» ضمن كتابه الموسوم: «1984» بهيمنة التكنولوجيا على حياة الإنسان، وتحكّمها فيه جسدياً ونفسياً، من خلال أجهزة بثّ للدعاية السياسية ومراقبة تحرك الأفراد، والتنصت عليهم في كل مكان. وكذا استعمال تقنيات متطورة لإعادة صياغة الصحف القديمة، بما يجرّد الأفراد من ذاكرتهم ويكرّس رؤية الحزب المهيمن. إضافة إلى اعتماد هندسة لغوية تختزل الكلمات، كسبيل لمنع الأفراد من الاجتهاد أو بلورة أفكار متحررة من خلال جهود وتأثيرات ما يسميها ب«وزارة الحقيقة».
لقد أسهمت التحولات التي رافقت الرقمنة، خاصة مع تصاعد أدوار شبكات التواصل الاجتماعي التي تحظى بإقبال جماهيري كبير وبين مختلف الفئات الاجتماعية وفي مناطق مختلفة من العالم، في نشر الكثير من الأخبار الزائفة، والمعلومات التافهة التي تفتقد لأي عمق معرفي أو علمي.
وقد تمّ تصميم هذه الشبكات بشكل ذكي حتى تشدّ انتباه المرتادين عبر نشر يوميات تافهة بمقاربات سطحية، تعيد تشكيل الوعي بما يخدم الاستهلاك السلبي المستدام الذي يصب في مصلحة الشركات التكنولوجية الكبرى، حيث أسهمت في قلب الكثير من المفاهيم، فالشهرة أضحت متاحة للمؤثرين من ناشري هذه المحتويات المبنية على الإثارة وأرقام المشاهدات، في مقابل تغييب النخب المثقفة والأكاديمية، وكل المحتويات المفيدة.
رغم فوائدها المتعددة، فرضت الرقمنة واقعاً جديداً، سمح بالتحول من «مجتمع المعرفة إلى مجتمع المنصات والشبكات الرقمية» ومن التثقيف إلى التتفيه، ما أسهم بشكل كبير في تهميش النقاشات الفكرية النقدية والمنفتحة على قضايا المجتمع الحقيقية.
إن مواجهة طوفان التفاهة هي مسؤولية مشتركة تتقاسمها الدولة والمجتمع، وهي تتطلب سنّ قوانين توازن بين حرية التعبير من جهة وحماية الحقوق والحريات من جهة أخرى، ثم إدراج الوعي الرقمي ضمن البرامج التعليمية.
