لم تكن ثنائية «خودي/نه خودي» في الأدبيات السياسية الإيرانية مجرد تعبير لغوي يميز بين «من هو منّا» و«من هو ضدنا»، بل كانت منذ قيام الجمهورية الإسلامية إحدى أدوات النظام في تعريف ذاته، وحراسة حدوده، وضبط المجال السياسي من داخله، فالنظام الإيراني لم يبنِ سلطته فقط على الدستور، ولا على الانتخابات، ولا حتى على ولاية الفقيه بمعناها الفقهي، بل بنى إلى جانب ذلك دائرة عميقة للولاء، تحدد من يحق له أن يختلف داخل النظام، ومن يصبح اختلافه تهديداً له.
وبهذا المعنى لا يكون «الخودي» مجردَ مسؤولٍ في مؤسسة رسمية، أو نائب في البرلمان، أو وزيرٍ في الحكومة، بل هو من يقبل السقف الأعلى للثورة كما تحدده القيادة، ومراكز القوة الصلبة. أما «نه خودي» فليس بالضرورة معارضاً في الخارج، أو خصماً معلناً للجمهورية الإسلامية، فقد يكون من داخل النظام نفسه، ولكنه يقترب من منطقة لا يسمح النظام بالاقتراب منها: تقديم الدولة على الثورة، أو المجتمع على الأمن، أو السياسة على العقيدة، أو التسوية على التعبئة.
وفي خطاب المرشد الراحل علي خامنئي ظل المفهوم مرتبطاً بحراسة الحدود بين الإيمان بالثورة، والتشكيك في أصولها، ف«الخودي» هو المؤمن بولاية الفقيه، وبمركزية الثورة، وبأولوية النظام على ما عداه. أمّا «نه خودي»، فهو من يفتح باباً للنقد قد يتحول في نظر السلطة إلى باب للطعن في أصل الجمهورية الإسلامية، وهكذا أصبح المصطلح جزءاً من ضبط دوائر الولاء السياسي، لا مجردَ وصفٍ أخلاقي، أو أيديولوجي.
غير أن الحرب، ومقتل خامنئي، وما تلاهما من انتقال مضطرب للسلطة، وضعت هذا المفهوم أمام مرحلة جديدة، فالسؤال لم يعد: من يقف مع النظام؟ ومن يقف ضده؟ بل من يملك الآن حق تعريف النظام نفسه؟ ومن يقرر من هو «الخودي» بعد غياب الشخصية التي كانت تمسك بخيوط التوازن بين الحرس الثوري، ومكتب المرشد، والرئاسة، والقضاء، والبرلمان، والمؤسسة الدينية؟
وهنا تبرز دلالة صعود مجتبى خامنئي، فاختياره لم يأتِ بوصفه انتقالاً عائلياً في نظام يفترض أنه ثوري، بل بوصفه حلاً أمنياً في لحظة ضاغطة، فقد احتاجت مراكز القوة إلى رأس يمنح الشرعية، ولا يقيد الحركة، وإلى اسم يحافظ على رمزية الاستمرارية من دون أن يعيد إنتاج خامنئي الأب، ولذلك كان للحرس الثوري دَور حاسم في تمرير هذا الاختيار، لا بوصفه تابعاً للقيادة الجديدة، بل بوصفه الأكثر قدرة على صياغة شروطها.
وهنا تتشكل معادلة دقيقة: المرشد الجديد يحتاج إلى شرعية الاسم والدين والمؤسسة، ولكنه يحتاج أكثر إلى الحرس، والحرس لا يحتاج إلى إلغاء موقع المرشد، بل إلى إعادة تعريف وظيفته، فالقيادة الجديدة يمكن أن تبقى في القمة، ولكنها قمة تمنح الغطاء أكثر مما تحتكر القرار. وفي هذه اللحظة تحديداً يبدأ مفهوم «الخودي» في التحول من ولاء للثورة إلى ولاء لمركز القوة الأمنية.
أما «نه خودي» الجديد، فقد لا يكون معارضاً، ولا إصلاحياً جذرياً، ولا تابعاً للخارج، فقد يكون رئيساً يرى أن الدولة تحتاج إلى تسوية، أو دبلوماسياً يرى أن كلفة المواجهة تجاوزت حدودها، أو تكنوقراطياً يتحدث بلغة الاقتصاد والمعيشة في وقت يتبنى فيه النظام خطاب التعبئة.
وفي هذا السياق تبدو حالة الرئيس مسعود بزشكيان كاشفة، فهو ابن النظام، لا وافد عليه، جاء من داخل الجمهورية الإسلامية، ولا يمكن تصويره خصماً خارجياً، ومع ذلك، فإن توتر موقعه مع صعود منطق الحرس، وحديث الاستقالة حتى مع نفيه رسمياً، يعكسان حدود السياسي المدني في نظام يتجه إلى تعزيز طابعه الأمني. بزشكيان قد يكون خودياً مؤسسياً، ولكنه ليس بالضرورة خودياً بالمعنى الحَرسي الجديد.
وعلى المسار نفسه يبرز وزير الخارجية، عباس عراقجي، اختباراً آخر، فعندما تتحدث الدبلوماسية عن إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، ثم تأتي المؤسسة الحرسية لتعيد تقييد المعنى أو فرض شروط ميدانية، فإن الأمر لا يتعلق بتباين في التصريحات، بل بمن يملك الكلمة الأخيرة في الأمن القومي.
وفي مقابل الدبلوماسية تبرز حالة محمد باقر قاليباف، لتعكس بعداً آخر، فهو ليس سياسياً مدنياً خالصاً، ولا قائداً عسكرياً حاضراً بصفته الحرسية المباشرة، بل شخصية هجينة تصلح للنظام في لحظات الالتباس. ويمنح القرار الصلب وجهاً سياسياً، ويمنح البرلمان خلفية أمنية، وبهذا المعنى هناك «خودي» مدني يدير الداخل، و«خودي» دبلوماسي يشتري الوقت، و«خودي» برلماني يمنح القرار غطاءً سياسياً، و«خودي» حَرسي يملك السلاح، والميدان.
هذه هي النقلة الأهم في مستقبل الجمهورية الإسلامية، فالنظام لا يتجه بالضرورة إلى انقلاب معلن، ولا إلى إلغاء مؤسساته، بل إلى انكماش منظم: بقاء الواجهات، وتضييق القرار، وتعظيم وزن الحرس، وتحويل القيادة الجديدة إلى مركز شرعية أكثر من كونها مركز ضبط كامل. وسيبقى للرئيس دور، وللخارجية دور، وللبرلمان دور، وللقضاء دور، ولكن بشرط واحد: ألا تتحول هذه الأدوار إلى مصادر مستقلة لتعريف المصلحة العليا.
