تجري على صفحات التواصل نقاشات كثيرة حول التاريخ العربي وسردياته المتنوعة، لكن خلو كثير من هذه النقاشات من العقل النقدي الذي ينطلق من مبدأ العقل الواقعي والواقع العقلي يجعلها أقرب إلى التصديق الأعمى، فضلاً عن انطلاقها من انحيازات أيديولوجية تفسد علم التاريخ.
ليس العقل الواقعي عقلاً يستسلم للرواية لأنها موروثة، وليس الواقع العقلي واقعاً يقبل الحوادث بوصفها معطيات جاهزة مكتفية بذاتها. فالتاريخ، في جوهره، ليس سرداً للأحداث، بل بحثٌ في شروط إمكانها. وكل واقعة كبرى لا تُفهم إلا إذا أُعيد ربطها بشبكة من الأسباب المادية والسياسية والعسكرية والثقافية التي سمحت لها بالظهور. وإذا غابت هذه الشبكة، أو جرى اختزالها في حكايات مبسطة، فإن السؤال الفلسفي يصبح ضرورة: كيف أمكن لهذا أن يحدث أصلاً؟
لا يمكن أن نصدق، عقلياً وواقعياً، تلك الروايات التي تُقدَّم أحياناً عن قيام الإمبراطورية العربية واتساعها السريع إلى بلاد فارس والشام ومصر وشمال إفريقيا والأندلس، وكأن التاريخ انقلب فجأة، وكأن جماعات قليلة خرجت من الصحراء لتطيح في سنوات معدودة بإمبراطوريتين عظيمتين هما البيزنطية والفارسية.
إن هزيمة قوتين بهذا الحجم لا تُفسَّر بالحماسة وحدها، ولا تُختزل في قوة الإيمان بعقيدة جديدة. فالتاريخ لا يعرف الانتصارات المجانية. لا بد أن يكون الطرف المنتصر قد امتلك، في لحظة ما، تفوقاً عسكرياً وتنظيمياً وسياسياً، أو أنه أحسن استثمار لحظة انهيار خصومه وتصدع بنياتهم الداخلية. أما الجيوش غير المنظمة، فلا تصنع إمبراطوريات، ولا تدير فضاءات شاسعة، ولا تؤسس أنظمة حكم مستقرة.
ولا يمكن، عقلياً وواقعياً، أن نمر مروراً بسيطاً على أسماء قادة كبار مثل خالد بن الوليد، وأبي عبيدة بن الجراح، وعمرو بن العاص، وسعد بن أبي وقاص، وشرحبيل بن حسنة، ومعاوية بن أبي سفيان، والحجاج بن يوسف الثقفي، وكأنهم وُلدوا من فراغ التاريخ، ثم تحولوا فجأة إلى قادة جيوش وإداريين محترفين في السياسة والحرب.
ولا يمكن أن نتصور أن دمشق أصبحت عاصمة للدولة العربية وكأنها ولدت عربياً في تلك اللحظة. إن انتقال مركز السلطة إلى مدينة بهذا الحجم يفترض أن الفضاء العربي كان قد تشكل مسبقاً، وأن المدينة كانت جزءاً من شبكة سياسية وثقافية أوسع، حتى لو كانت متعددة اللغات والانتماءات.
وكذلك لا يمكن أن ننظر إلى قصر هشام بن عبد الملك في أريحا بوصفه حادثاً معمارياً معزولاً. فالقصر، بما يحمله من هندسة وزخرفة واتساع، ليس أثراً فردياً، بل هو تتويج لمسار طويل من التراكم العمراني، والحرفي، والاقتصادي، والسياسي. إن الحجر هنا ليس مادة صامتة، بل شهادة على تاريخ سابق له.
ولا يمكن أن نمر على الازدهار الأدبي والعلمي في العصرين الأموي والعباسي وكأنه طفرة بلا جذور. فالشعر والفقه واللغة والفلسفة والعلوم والترجمة لا تولد دفعة واحدة. كل ازدهار هو قمة جبل، لكن الجبل نفسه مخفي تحت طبقات من التراكم الذي لا ترويه السرديات دائماً.
ولا يمكن، عقلياً وواقعياً، أن نتصور أن اللغة العربية، كانت لغة جماعة بدوية معزولة، ثم تحولت فجأة إلى لغة دولة وإدارة وفكر وعلم.
إن اللغة التي تحمل هذا الاتساع لا بد أن تكون قد تشكلت في فضاء أوسع من الصحراء الضيقة، وأنها نتاج تفاعل طويل بين لهجات وقبائل ومدن وممالك، وأن صورتها الفصحى التي نعرفها هي حصيلة مسار تاريخي طويل، لا نقطة بداية.
إن مفهوم «جزيرة العرب» نفسه لا ينبغي أن يُختزل في جغرافيا حديثة مغلقة، بل هو فضاء تاريخي أوسع، تداخلت فيه الشام والعراق واليمن والخليج، وتفاعلت فيه ممالك وحواضر وقبائل، من كندة وتنوخ إلى تدمر والأنباط والغساسنة والمناذرة وغيرها. لم يكن هذا الفضاء ساكناً، بل كان مجالاً دائم الحركة والصراع والتحول.
ومن هنا، فإن اختفاء كيانات وظهور دولة عربية واسعة لا يمكن أن يُفهم بوصفه قفزة مفاجئة، بل بوصفه نتيجة مسار طويل من التحولات، وإعادة تشكيل موازين القوى، وتراكم الخبرات السياسية والعسكرية والاجتماعية.
ولست أزعم أنني أقدم سردية مكتملة، ولا أنني أمتلك جواباً نهائياً. ما أفعله هو فتح السؤال على منطقه الأعمق: شروط الإمكان. فالتاريخ لا يُفهم باليقين، بل بالبحث. ولا يُبنى على التسليم، بل على المساءلة.
إن الاحتمال العقلي ليس بديلاً عن الدليل، لكنه يرفض المستحيل. والوثيقة لا تكفي إذا عارضت شروط الإمكان التاريخي، كما أن المعقولية لا تكفي إذا لم تُدعَم بأثر ونقش وشهادة. إن الحقيقة التاريخية ليست في طرف واحد، بل في التوتر بين ما يمكن أن يكون وما ثبت أنه كان.
إن العقل الواقعي لا يرفض التاريخ، لكنه يرفض تفسيره اللاعقلي. والواقع العقلي لا يختلق الوقائع، لكنه يصر على أن لكل واقعة شروطاً، وأن ما لا شروط ممكنة له لا مكان له في التاريخ إلا بوصفه أسطورة.
