لا تبدأ مواجهة الأزمات الجيوسياسية الكبرى من لحظة وقوعها، بل من الاستعداد لتفكيك حتمية الجغرافيا، وتحييد قدرتها على محاصرة الإرادة السياسية للدول. وفي تاريخ الممرات المائية الحرجة لطالما تحولت نقاط الاختناق البحرية إلى أدوات لفرض الشروط، وإعادة صياغة الحسابات الأمنية تحت وطأة التهديد؛ ولهذا تتمايز استراتيجيات الدول بين من يُرتَهن لإملاءات موقعه الجغرافي، ومن يبني البدائل ليصنع لنفسه فضاء سياديّاً أرحب.
وفي هذا السياق، تجسد خطة دولة الإمارات لتصفير الاعتماد على هرمز هذا المنطق؛ فلا تبحث الدولة من خلالها عن خلاص منفرد من مأزق الجغرافيا، ولا تبني بدائلها لتجعل العبور إلى البحر شأناً وطنيّاً مغلقاً؛ فصفر الاعتماد في معناه الإماراتي لا يعني الانسحاب من الممر، أو التنصل من مسؤولية الإسهام في حمايته، بل بناء قدرة وطنية تتحول إلى ركيزة خليجية، وإقليمية، ودولية؛ إذ لا تفكر الدولة بمنطق من يغادر الممر، وإنما بإرادة من يمنع الجغرافيا من التحول إلى قيد على القرار؛ لتصون سيادتها، وتوسّع في الوقت نفسه قدرة شركائها على مواجهة الاضطراب.
ومن هذه النظرة التكاملية، لا يمكن اختزال هرمز في إمدادات النفط والغاز، بل هو شبكة لوجستية تتقاطع عندها التجارة وسلاسل الإمداد التي تربط الخليج بآسيا وإفريقيا وأوروبا. ومن انتظام الحركة فيه تتشكل موثوقية المنطقة في مراكز القرار الاقتصادي؛ لذلك لا يقتصر أثر اضطرابه على كلفة الطاقة، بل يمسّ عمق مكانة الخليج مركزاً دوليّاً للربط والاستثمار؛ لتغدو حماية الممر صوناً لموقع الإقليم في الاقتصاد العالمي، لا مجرّد حراسة عابرة للسفن.
وفي هذا السياق التنموي، لا تبدو الفجيرة، والموانئ، والسكك الحديدية، والممرات اللوجستية، مشروعات متجاورة على خريطة الدولة، بل حلقات ضمن رؤية واحدة؛ فالإمارات لا تشق مساراً لمواجهة أزمة طارئة، وإنما تنسج شبكة خيارات تمنع نقطة اختناق واحدة من تعطيل حركة الإقليم؛ لتتجاوز وظيفة البنية التحتية حدود العمران إلى أمن الاقتصاد والسياسة، فقوة الممرات لا تنبع من وجودها منفردة، بل من تعددها وتكاملها.
غير أن القدرة الوطنية لا تبلغ غايتها إن انغلقت على ذاتها، وهنا تحديداً تبدأ «ألف مسؤولية» التي ينهض بها تصفير الاعتماد؛ إذ توفر البدائل الإماراتية ركيزة لتكامل خليجي يربط شبكات السكك والموانئ، ويمنح الدول الأشد تأثراً باضطراب هرمز مجالاً للاستفادة من منافذ متعدّدة تضمن استدامة تجارتها، وإمداداتها. وبذلك، لا تطرح البنية التحتية الإماراتية نفسها بديلاً للعمل المشترك، بل ركيزة مؤسِّسة له؛ ليبتعد القرار الوطني عن الانكفاء، ويتحول إلى مورد حيوي يعزز الشراكة الإقليمية.
وهنا يتصل صفر الاعتماد بمفهوم أعمق للأمن الجماعي؛ فأمن الخليج لا يُصان بتأمين الممرات عند التهديد فقط، بل بحماية الوظائف الاقتصادية التي تمر عبرها، وصون استمرار الطاقة والتجارة والاستثمار في لحظات الاضطراب أيضاً. ويصبح تنويع المسارات أداة ردع يخفض العائد المتوقع من التعطيل، أو التهديد به.
وتمتد هذه المسؤولية إلى ما وراء الخليج؛ فحرية الملاحة في هرمز ليست شأناً إقليمياً خالصاً، بل قاعدة من قواعد انتظام الاقتصاد الدولي. وعلى هذا الأساس، لا يقتصر الدور الإماراتي على توفير منفذ بديل، وإنما يشمل حماية موثوقية الإمدادات، وتعزيز التنسيق مع شركاء التجارة والطاقة، وربط خطط الاستمرارية الوطنية باحتياجات الأسواق العالمية، بما يرسّخ أن الممرات الحيوية ليست أدوات للمساومة، وأن أمنها يُصان بالتعاون.
وبذلك لا تقوم العلاقة بين هرمز والبدائل الإماراتية على المنافسة، أو الإحلال؛ فكلما تراجعت درجة الارتهان للمضيق، أصبح الدفاع عن حرية الملاحة فيه أكثر رسوخاً؛ لأن حمايته تتحرر من ضغط الحاجة المنفردة، وتندرج ضمن التزام أوسع بأمن الممرات، واستقرار المنطقة. والبدائل لا تنتقص من مكانته، بل تفصل بين أهميته الاقتصادية والقدرة على تحويل هذه الأهمية إلى نقطة ضعف. وهكذا تعيد دولة الإمارات تنظيم علاقتها بالجغرافيا: تحافظ على الممر، وتبني ما يوازيه، وتمنع مركزيته من أن تتحول إلى أداة تهديد.
وسيبقى هرمز حاضراً في أمن الخليج والاقتصاد العالمي، لكن حضوره لا ينبغي أن يعني الارتهان له، كما أن بناء البدائل لا يعني التخلي عن مسؤوليته. وتلك هي الحكمة التي تمنح المقاربة الإماراتية معناها: صفر اعتماد يحمي السيادة، وألف مسؤولية تجعل هذه السيادة تعزز مصالح الخليج، والإقليم، والعالم؛ فالمسألة تبدأ بتحصين القرار الوطني، ثم تتسع لتجعل البدائل ضمانة للاستمرار، والجغرافيا مجالاً للتكامل، والقدرة الإماراتية ركيزة للتعاون، والتنمية، وصناعة الاستقرار.
*مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية
