في إدارة الصراعات الممتدة لا تنجح الضغوط دائماً في تحقيق ما تعجز عنه الحروب، كما لا تضمن التسويات السياسية وحدها تغيير السلوك الذي تراكم عبر عقود؛ ولهذا تلجأ الدول أحياناً إلى أدوات أكثر تعقيداً من الردع التقليدي؛ أدوات لا تقوم على زيادة الكلفة فحسب، بل على إعادة تعريف المصلحة نفسها؛ فحين يصبح الاستقرار مصدراً لمكاسب يصعب التفريط فيها، تتحول التنمية من هدف اقتصادي إلى جزء من معادلة الأمن، وتصبح المصالح أداة لتقييد الخيارات.
وفي هذا السياق يكتسب الحديث عن صندوق استثماري بقيمة 300 مليار دولار، ضمن مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، أهمية تتجاوز حجمه المالي؛ فالمسألة لا تتعلق بأموال قد تُضخ في الاقتصاد الإيراني، بل بمحاولة لاختبار فرضية مختلفة في التعامل مع طهران: أن يصبح الحفاظ على الاستقرار أكثر ربحاً من التصعيد، وأن تتحول التنمية نفسها إلى قيد على المغامرة؛ فالمال ليس مقدمة للثقة، بل اختبار لها.
ومن هذه الزاوية يبدو تعبير «آخر العلاج الكي» مناسباً؛ بشرط ألا يُفهم على أنه عقاب للشعب الإيراني؛ أو مكافأة للنظام؛ فالكيّ هنا ليس في ضخ الأموال، بل في تغيير معادلة الألم والمصلحة؛ فطوال سنوات عاشت إيران تحت العقوبات، ولكن النظام استطاع في كثير من الأحيان أن ينقل الكلفة إلى المجتمع، بينما واصلت مراكز القوة بناء أدوات النفوذ.
ولذلك تنبغي قراءة الـ300 مليار دولار، بصفتها إطاراً استثمارياً مشروطاً، يستهدف قطاعات مثل الطاقة واللوجستيات، ويربط كل مساحة استثمار بسلوك. وكل خطوة التزام تفتح منفعة، وكل عودة إلى التصعيد تعني خسارة مصلحة؛ وبهذا المعنى لا تصبح التنمية جائزة بعد تغيير السلوك، بل وسيلة لدفعه إلى التغير.
وتنبع أهمية هذا الاختبار من هشاشة الداخل الإيراني؛ فإيران ليست دولة فقيرة بالموارد؛ إذ لديها النفط والغاز والسوق والموقع؛ غير أن مشكلتها أنها لم تعد قادرة على تحويل هذه الموارد إلى استقرار اجتماعي. وحين تشير التقديرات إلى ارتفاع التضخم من 32.5 في المئة عام 2024 إلى نحو 68.9 في المئة عام 2026؛ فإن الرقم يتحول إلى خبز ودواء وسكن ودخل يتآكل، وإلى مجتمع تصبح قدرته على احتمال خطاب الصمود أضيق.
وتمتد مؤشرات هذه الهشاشة إلى قيمة العملة نفسها؛ فعندما يتحسن الريال مؤقتاً مع أنباء قرب التفاهم، وينخفض الدولار من نحو 182 ألفاً إلى نحو 175 ألف تومان؛ فإن السوق هنا تسعّر احتمالات الحرب والسلام. خبر عن التهدئة يمنح العملة نفساً قصيراً، وخبر عن التصعيد يعيدها إلى التراجع؛ وهذا يعني أن الاقتصاد الإيراني لم يعد يعيش على مؤشرات الإنتاج، بل على مخاطر الممرات، وشبح المواجهات.
وتتضح المفارقة في أن إيران التي بنت «مدن الصواريخ» تحت الأرض، لم تنجح بالقدر نفسه في بناء «مدن الاقتصاد» فوقها. الأولى تمنح النظام قدرة على المقاومة، أما الثانية فتمنح المجتمع سبباً للأمل. الأولى تخاطب الخارج، والثانية تهتم بالمواطن. وحين تتسع المسافة بينهما يصبح سؤال الأولويات أكثر حضوراً: هل يكفي أن تكون الدولة قادرة على الرد؛ إذا كانت أقل قدرة على إتاحة الفرص، وحماية الدخل؟.
من هذه المفارقة تنبع وظيفة الاستثمارات المحتملة؛ إذ إنها لا تخلق مصالح وفرص عمل فحسب، بل تنشئ شرائح مستفيدة من الاستقرار، وهذه هي الفكرة التي يجسدها النموذج التنموي الإماراتي، إذ تحولت التنمية إلى رصيد اقتصادي واجتماعي يربط الاستقرار بالفرص، ويجعل الحفاظ عليه مصلحة مجتمعية. ومن هنا، فإن انتقال هذا المنطق إلى إيران قد يغيّر حسابات التصعيد؛ فإذا بدأت المشروعات تتجسد على الأرض، فلن تكون العودة إلى التصعيد قراراً أمنياً فحسب، بل قرار له تبعات اجتماعية، وعندها سيسأل المواطن: لماذا ضاعت الفرص؟ ولماذا عادت العزلة؟ وهنا تتحول التنمية إلى مصدر ضغط داخلي.
إن جوهر المسألة ليس في الرقم، بل في التصميم؛ لا بد أن تكون التنمية مشروطة سياسياً وأمنياً بالتزامات قابلة للتحقق، ومشروطة اقتصادياً بتوجيه الاستثمارات إلى قطاعات مدنية منتجة، ومشروطة اجتماعياً بأن يظهر أثرها في حياة المواطن، لا في ميزانيات المؤسسات الأقرب إلى السلطة.
السياسة الذكية لا تحتار بين معاقبة الجميع، أو مكافأة الجميع، بل تبحث عن معادلة تسمح بوصول المكاسب إلى المجتمع، وتقلل قدرة النظام على تحويلها إلى أدوات نفوذ جديدة.
وعلى هذا الأساس؛ فإن «الكيّ» هنا ليس ناراً تُسلط على الشعب، بل علاج لمنطق سياسي اعتاد أن يعيش على حافة المواجهة؛ إنه محاولة لجعل التنمية قيداً على التصعيد، لا جائزة بعده؛ ومحاولة لجعل النظام يرى ما يخشى خسارته فوق الأرض، بدل أن يظل مطمئناً إلى ما أخفاه تحتها؛ فإذا كانت إيران قد بنت لعقود مدناً للصواريخ؛ فإن الاختبار الحقيقي الآن هو إذا ما كان يمكن بناء مدن اقتصادية تجعل المغامرة أقل إغراءً، وتجعل الشعب الإيراني يرى أخيراً أثر السياسة في حياته، لا في نشرات التهديد فقط.
