من مزايا التعود على استحضار الذاكرة القوية، ولو متقطعة أو متباعدة في الزمن، أنه الأقدر على إطفاء بعض النار المشتعلة بفعل حنين مفاجئ أو مضاعف، أو بسبب دفقة من دفقات ظمأ حسي، أو تفاعلاً مع لسعة شوق مباغت، أو تمرداً على إيقاع ملل مستبد نخاله لقسوته مزمناً. وهو، أقصد هذا التعود، ربما كان الأقدر كذلك على حشد قدرات أخرى فشلت منفردة ومجتمعة في التصدي لصعوبات عسيرة واجهتنا أو تواجهنا، هو العضد والسند في الأزمات وعند غياب الخيارات والبدائل. كل هذا وأكثر منه مرّ بي وسوف أمر ببعضه في ما تبقى لي من زمن.
كنا ونحن صغار نفضل أن نذاكر دروسنا ونستعد للامتحانات ضمن مجموعة أصدقاء أو زملاء. أذكر أننا كنا نستبعد، خاصة في وقت الأزمة، الكسول والمشاغب وغير الراغب في التحسين والتحصيل. كنا كجماعة مختارة نحقق نتائج أفضل، حتى وإن اختلفت مشاربنا الأكاديمية. كانت أمي خبيرة تعرف كيف تميز بين أعضاء جماعات اللعب والتنزه وأعضاء جماعات الدرس والمذاكرة، ترحب بهم جميعاً طالما التقوا خارج دائرة الأزمات، أي خارج مواسم الامتحان، ولا تشجع حضور «الأشقياء»، ومن كانت تطلق عليهم «عيال لعبية وبطيئي التفكير»، في اجتماعات نهاية العام الدراسي.
مرت السنين، تخرجت وسافرت لأعمل في الهند ثم في الصين. عدت إلى الجامعة بعد عشر سنوات أو أكثر من العمل في الدبلوماسية، عدت مدفوعاً بروح التمرد وساعياً للتحسين والتجديد والتغيير.
ظل هذا النوع من العمل الجماعي يحظى بتفضيلي إلى يومنا هذا باعتباره الأسلوب الأمثل لشحذ قريحة المشاركين وزيادة أو تحسين محتوى الذاكرة لدى كل منا. سعدت أيما سعادة يوم استدعاني رئيس تحرير الأهرام إلى مكتبه في الطابق الرابع وسط انشغالنا بتأسيس مركز للدراسات الاستراتيجية. استقبلني هيكل كعادته بالاستفسار عن آخر فكرة «براقة» سمعتها أو قرأت عنها أو أتداولها مع أصدقائي لينتقل بعدها إلى سبب الاستدعاء. قال إنه يفكر في تنظيم لقاء دوري يضم من نعتقد أنه يمكن أن يفيدنا في مشروعنا، مشروع إقامة مركز للبحوث لا تختلف فكرته كثيراً عن المركز الشهير المقام في لندن. عاد يؤكد وهو يودعني على أهمية أن نبقي الأمر بيننا إلى أن نقرر نهائياً.
انتظم اللقاء ليعقد كل ثلاثاء في الخامسة مساء. لا جدول أعمال، ولا ورقة عمل إلا في حالات استثنائية، لا تصوير، ولا مكالمات هاتفية حتى لرئيس التحرير، بمعنى آخر لا مؤثرات خارجية من أي نوع، حتى المشروبات الساخنة والمرطبات موجودة في أحد أركان غرفة الاجتماع، وهي إحدى الغرف التي يتكون من مجموعها ما كان يعرف بمكتب رئيس التحرير.
حضر بانتظام هذه اللقاءات، على ما أذكر، كل من عبد الحليم بدوي، وهشام عامر، وأسامة الباز من الخارجية، وسميح صادق، وحاتم صادق، ومحمد سيد أحمد، ورئيس التحرير، وكاتب هذه السطور من الأهرام. حضر، على ما أذكر، بدون انتظام وبدعوات خاصة عبد الوهاب المسيري والعقيد القذافي واللواء حسن البدري.
أذكر، بغير صعوبة شديدة، كيف كانت ثمار هذه الاجتماعات مفيدة للجميع وبخاصة لعمل المركز في مستقبل أيامه، وبشكل ما الشهور التي وجدت فيها. أذكر مثلاً الرحلة باسم المركز، التي تقررت لزيارة عدد غير قليل من دول آسيا على ضوء اقتناع المجلس بفكرة «القرن الآسيوي» وتبعاتها بعيدة المدى على النظام الدولي وعلى نظامنا الإقليمي. أذكر جيداً احتلال أحوال الخليج العربي مكانة بارزة في تفكير معظم أعضاء المجلس، وقد جاءت ترجمتها في رحلة أخرى قادتنا نحن الاثنين إلى جميع العواصم العربية باستثناء عاصمتين أو ثلاث، قمنا بها خارج إطار المركز. كان المجلس فرصة رائعة يجري خلالها «شحذ» قدراتنا الفكرية بعيداً عن قيود الحساسية الزائدة وإضافة رائعة لمخزون الذاكرة. كم تمنيت أن تتكرر تلك الأيام والشهور في مستقبل حياتي!
حضر هذا المستقبل محملاً بأحمال ثقيلة، أثقل كثيراً من كل توقعاتنا.
