منصور الصباحي
ضمن اجتماعات عقدت بين قادة كبرى المجموعات الاستثمارية العاملة في مجالات الإعلان والاتصال والتسويق لمناقشة المستجدات الراهنة في قطاع الإعلانات الخارجية (أوت دور) في دبي، كان العامل المشترك هو الثقة الكبيرة في قوة وثبات الوضع الاقتصادي في الدولة، وفي قدرة القطاعات الاقتصادية الكبرى ومن ضمنها قطاع الإعلانات الخارجية على تجاوز تأثيرات المرحلة، التي مرت بها المنطقة وانعكاساتها على كافة الأنشطة الاقتصادية، نظراً لديناميكيتها، التي ساهمت في ضمان استمرارية الأعمال، وتعزيز مرونة العمليات التشغيلية والقابلية للتكيف، بدعم من الركائز الاقتصادية والاستراتيجية الراسخة، التي أرست قيادتنا الرشيدة دعائمها منذ فترة طويلة.
وضمت هذه الاجتماعات الرؤساء التنفيذيين لكل من «ببليسيز - Publicis»، و«أومنيكوم-Omnicom»، و«دبليو بي بي – WPP»، بهدف استعراض الخطط التطويرية، التي تستهدف تعزيز النمو في قطاع الإعلانات الخارجية، وتسليط الضوء على الاهتمام الذي يبديه كبار المعلنين وأهم العلامات التجارية العالمية للتواجد في سوق الإعلانات الخارجية في إمارة دبي، وبحث المبادرات التي يتم تطويرها حالياً، للدفع نحو تبني أحدث الوسائل التكنولوجية في القطاع، وإرساء دعائم التحول الرقمي وتطوير نماذج تشغيل الإعلانات الخارجية المبرمجة، نظراً لدورها في تعزيز قدرة المعلنين على الوصول للجمهور المستهدف خلال الحملات الإعلانية.
وعبر تعزيز استخدام الشاشات واللوحات الإعلانية المبرمجة بشكل يوازي المستويات المعمول بها عالمياً، ستتمكن دبي من تصدر مشهد الإعلانات الخارجية الرقمية إقليمياً ودولياً، وهو الأمر الذي يتلاءم مع الطفرة الكبيرة في حجم الاستثمارات، التي يتم ضخها في قطاع الإعلانات عموماً في كافة أنحاء العالم، والذي يستدعي التعاون وتكثيف الجهود لكي يحظى سوق الإعلانات الخارجية بحصة أكبر من هذه الاستثمارات، علماً بأن دولة الإمارات سجلت بالفعل أداءً استثنائياً على هذا النطاق، حيث تستحوذ الإعلانات الخارجية اليوم على حصة تتراوح ما بين 20-25% من مجمل الإنفاق على الإعلانات في الدولة، فيما لا تتعدى هذه النسبة الـ10% عالمياً.
ومع تزايد الثقة التي يبديها كبار المستثمرين، وتطلعاتهم سواء للمضي قدماً في تنفيذ خططهم التوسعية، خلال المرحلة المقبلة، أو الاستفادة من فترة الهدوء النسبي التي يشهدها القطاع حالياً، لتطوير أعمالهم وتوسعة أنشطتهم واستثماراتهم في الإمارة، تتزايد أهمية وضع هذه الطموحات والخطط التوسعية، ضمن الأطر التنظيمية الملائمة والالتزام بالمعايير والامتثال للقوانين، بالشكل الذي يضمن تحقيق التوازن ما بين الرغبة الاستراتيجية في التوسع في حجم الأصول الإعلانية، وبين الالتزام بالمعايير الفنية، التي وضعت لضمان السلامة العامة والحفاظ على مشهد حضري جميل ومستدام وخال من التلوث البصري، يتلاءم مع الهوية البصرية للإمارة، ويتماشى مع خطة دبي الحضرية 2040 وجهود التنمية المستدامة.
وهو ما يدفع كذلك نحو المزيد من الاهتمام بترسيخ مبادئ الحوكمة في القطاع، سواء حوكمة الأسعار عبر إيجاد آلية واضحة وعادلة لتسعير الأصول الإعلانية بحسب حجمها وموقعها، أو حوكمة الإجراءات لخلق بيئة تنافسية تتسم بالوضوح والشفافية، مع التأكيد على أهمية توحيد المعايير الفنية والتجارية للحد من الممارسات الاحتكارية، وضمان تحقيق العدالة والتكافؤ في القدرة على الوصول للفرص الاستثمارية العادلة.
وستسهم هذه التوجهات في تحقيق التوازن في مستويات الطلب على الأصول الإعلانية في بعض شوارع الإمارة ومناطقها الرئيسية، وفي جذب انتباه المستثمرين للمناطق الاستراتيجية الجديدة فيها، كما ستساعد في تجاوز مجموعة من التحديات مثل تغيير الصورة النمطية لدى بعض المستثمرين، وإدارة الأصول الإعلانية بالشكل الأمثل، وتنظيم التوسع نحو المناطق الحضرية الجديدة، وزيادة الفرص الاستثمارية المطروحة، وفتح المزيد من الآفاق التجارية أمام صغار المستثمرين والشركات الوطنية الناشئة، لتعزيز مكانتهم في السوق المحلي، وزيادة الأرباح والعوائد على استثماراتهم، فضلاً عن تحقيق الهدف الأسمى، وهو تحقيق التناغم بين مختلف المناطق الحضرية في الإمارة بالشكل الذي يتلاءم مع خصوصية كلٍ منها.
وسنشهد قريباً مرحلة انتقالية في القطاع ترتكز على تعزيز الاندماج البصري بين اللوحات الإعلانية ومحيطها الحضري، وتسخير تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتوفير المعلومات والبيانات الدقيقة، التي يحتاجها القطاع الآن أكثر من أي وقت مضى، لتعزيز القدرة على اتخاذ القرارات الاستثمارية الصحيحة المبنية على الحقائق والأرقام الواقعية، وهو ما يستدعي استحداث مصدر موحد وموثوق للبيانات والذي يعد من الضرورات الاستراتيجية الملحة في الوقت الحالي.
وتكشف بعض البيانات الحديثة عن حجم الإمكانيات المستقبلية، التي يمكن توقعها من الاستثمار في قطاع الإعلانات الخارجية، الذي لا يزال يشهد ضخ استثمارات نوعية من كبار المستثمرين حول العالم، ما يعزز من توجهات دبي نحو تطوير قطاع إعلانات خارجي مُنظم ومُبتكر ومُستدام، يحقق نمواً متواصلاً ويسهم في دفع عجلة النمو الاقتصادي، ويحافظ في الوقت نفسه على جمال وأناقة، وتناغم المشهد الحضري في دبي، بما يتلاءم مع مكانتها وسمعتها العالمية وتطلعاتها للتوسع نحو الأسواق الإقليمية والعالمية.
* الرئيس التنفيذي لشركة «مدى ميديا»
